من “تماز” إلى القاهرة.. الطعام يفتح طريقًا جديدًا للتعارف بين الثقافات
كتب: صموئيل نبيل أديب
في القاهرة لا تحتاج الحكايات دائمًا إلى منصة كبيرة كي تبدأ، فقد تبدأ من مائدة تمتد فوقها أطباق جاءت من بلد آخر وتحمل معها شيئًا من ذاكرته وعاداته وطريقة حياته، وهو ما بدا واضحًا في التجربة السعودية التي شهدها “سيتي ستارز” بمدينة نصر من خلال حضور عدد من رجال الأعمال السعوديين ورجال السياحة والشيفات والإعلاميين إلى جانب الفنانة نوليا مصطفى.
المشهد لم يكن منفصلًا عن حركة أوسع تشهدها القاهرة باعتبارها مدينة تستقبل التجارب العربية وتمنحها فرصة للالتقاء بجمهور جديد، وفي هذا السياق حضرت تجربة “تماز” التي حملت إلى المائدة المصرية جانبًا من المطبخ الشعبي السعودي من خلال أنواع متعددة من الفول والمطبق بنوعيه الحلو والحادق والتميس إلى جانب عدد من الأطباق التي تعكس تنوع المائدة السعودية.
وربما كان أكثر ما يلفت الانتباه أن المطبخ نفسه أصبح جزءًا من المشهد وليس مجرد مساحة خلفية لإعداد الطعام، إذ يضم المكان مخبزًا يتم فيه خبز العيش أمام الزبائن وهو ما يمنح التجربة جانبًا بصريًا وإنسانيًا يجعل إعداد الطعام امتدادًا طبيعيًا لفكرة المائدة وليس مجرد خطوة تسبق وصول الطبق إليها.
وخلال المناسبة شاركت إدارة “سيتي ستارز” بقيادة هشام القباني إلى جانب عدد من رجال الأعمال السعوديين ورجال السياحة والشيفات والإعلاميين كما حضرت الفنانة نوليا مصطفى، بينما حظيت التجربة بإعجاب الشيخ خالد الجندي الذي أشاد بها ودعا إلى انتشارها في أكثر من مكان كما أثنى على مستوى الشيفات المتخصصين المشاركين في المناسبة.
وكانت الشيف رشا هيكل مؤسسة ملتقى الدولي “طهاة مبدعون” حاضرة بصفتها ممثلة للشركة لمتابعة جوانب التطوير والجودة، وفي حديث خاص مع “وطني” امتدت الرؤية إلى ما هو أبعد من تفاصيل المناسبة نفسها لتلامس فكرة أكبر تتعلق بالدور الذي يمكن أن يلعبه الطعام في انتقال الثقافات من بلد إلى آخر.
فالطعام لا يتوقف عند حدود المذاق وإنما يحمل في داخله ذاكرة المكان وطريقة حياة الناس فيه، وحين يصل طبق سعودي إلى مائدة مصرية فإنه لا يقدم مذاقًا جديدًا فحسب بل يفتح نافذة صغيرة على ثقافة كاملة، كما يحدث في الاتجاه الآخر حين تصل الأطباق المصرية إلى مائدة سعودية فيصبح الطعام لغة لا تحتاج إلى ترجمة.
ومن هنا تأتي فكرة أن ترابط البلاد يمكن أن يبدأ من الطعام لأن المائدة تمنح الإنسان فرصة للتعرف إلى الآخر من خلال شيء بسيط وقريب من الحياة اليومية، فالمذاق والرائحة وطريقة الإعداد قادرة أحيانًا على اختصار مسافات طويلة من التعارف الذي يحتاج في مجالات أخرى إلى كثير من الكلمات.
لماذا القاهرة؟
اختيار مصر لم يكن عابرًا في هذه التجربة لأن القاهرة تمثل مركزًا اقتصاديًا مهمًا ووجهة استثمارية لدول المنطقة كما أنها تمتلك تاريخًا طويلًا في استقبال التجارب العربية وتحويلها إلى جزء من المشهد العام، وهو ما حدث على مدار عقود مع عدد كبير من الفنانين والمطربين العرب الذين وجدوا في القاهرة مساحة للانتشار والوصول إلى جمهور أوسع.
والطعام يمكن أن يسلك الطريق نفسه لأن الوصول إلى السوق المصرية لا يعني فقط الوصول إلى جمهور جديد وإنما يعني أيضًا أن العلامة التجارية تحمل معها ثقافتها وتدخل في حوار مباشر مع ثقافة أخرى، وفي ظل تنوع المطابخ والهويات الغذائية داخل مصر أصبح الاستثمار في مجال الطعام واحدًا من المجالات التي تعكس هذا التداخل بصورة واضحة.
من المطبخ إلى الثقافة
وتتقاطع هذه الرؤية مع الدور الذي يقوم به “الملتقى الدولي طهاة مبدعون” في دعم المبادرات التي تتيح للطهاة تبادل الخبرات وانتقال تجارب المطابخ المختلفة بين الدول العربية والأجنبية، فالمطبخ في هذه الحالة لا يصبح مجرد مساحة لتبادل الوصفات وإنما مساحة للتعرف إلى الشعوب وما تختزنه أطباقها من عادات وذاكرة وتاريخ.
وهنا يتحول الشيف إلى أكثر من مجرد صاحب مهنة لأن ما يقدمه فوق الطبق يحمل شيئًا من المكان الذي جاء منه، ومع انتقال الأطباق بين البلدان تنتقل معها تفاصيل صغيرة من حياة أصحابها وتقاليدهم وطريقة احتفالهم بالطعام وطريقة جلوسهم حول المائدة.
ولهذا فإن وجود المطبخ السعودي في القاهرة يمكن النظر إليه باعتباره مساحة للتعارف الثقافي بقدر ما هو تجربة في مجال الطعام، فالجمهور المصري يقترب من جانب من الثقافة السعودية من خلال مذاقها وطريقة تقديمها بينما تستقبل القاهرة تجربة جديدة وتمنحها فرصة للدخول في مشهدها المتنوع.
وفي النهاية ربما تكون المائدة واحدة من أكثر المساحات الإنسانية صدقًا لأن الإنسان يجلس إليها بلا حواجز كثيرة، وقد يبدأ التعارف من طبق فول أو مطبق أو رغيف تميس يخرج ساخنًا من فرن مفتوح ثم يتحول هذا المذاق البسيط إلى سؤال عن المكان الذي جاء منه وعن الناس الذين صنعوه وعن الحكاية التي يحملها.
فخلف كل طبق بلد وخلف كل مطبخ ثقافة وحين تعبر الأطباق حدودها فإنها تحمل معها جزءًا من أصحابها، وربما لهذا تبدأ بعض جسور التقارب بين الشعوب من مكان يبدو في ظاهره عاديًا جدًا لكنه في الحقيقة أكثر عمقًا مما نتصور.. من مائدة واحدة.







