شراكة ينهيها العدل.. بقلم سارة الأشموني
كل العلاقات تبنى على العدل، إلا شراكة الحياة تبنى على الفضل.. فكما قال الخالق الأعلم بنا كبشر في كتابه العزيز: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.
إن العدل قانون الأرض، أما الفضل فهو نفحةٌ إلهية، ويدُ الله الخفية التي تلامس القلوب فتصلح ما أفسده الجفاف، وتضع البركة في أكثرها نقاءً. فالعدل يرفع الميزان، يقيس بالمسطرة، يزن بالجرام، ويحسب الخطوات؛ يضمن لكل ذي حق حقه، لكنه جافٌ كصفحات العقود، صلبٌ لا يلين، ولا يداوي جرحاً. أما الفضل، فهو العباءة الدافئة التي ننسجها من التغاضي والحب، لنتستر بها حين تعصف بالحياة رياح الجفاف وأعاصير الأيام.
الفضل هو ذلك السرّ الروحي الذي يمنع الزوجة، حين يحتد زوجها بلا مبرر أو يتجاوز في لحظة غضب، عن أخذ حقها بالرد بعدلٍ بما يليق بالموقف. بالعدل، يحق لها أن ترد الكلمة بمثلها، وأن تضع الحد في حينه، لكن بتلك النفحة الإلهية تُطفئ القبس بلمسة صمت، وتتغاضى كأنها ما سمعت، لا ضعفاً ولا استكانة، بل حباً لبيتٍ لا تريد له أن يهتز من هبة نسيم.
والفضل هو ما يجبر الرجل، في زحام الحياة وقسوة السعي، أن يغدق على شريكته ثمار تعبه ومجهوده بابتسامةٍ وابتهاج. في عالم العدل المجرد، كل عرقٍ يتصبب من جبينه وكل قرشٍ يكسبه هو حقه وحده، له فيه القوامة والملك؛ لكن يد الله التي غرسَت المودة في قلبه تهمس له أن هذا التعب لا يكتمل نوره إلا حين يتجلى بسخاءٍ في عيني شريكته، ليصبح العطاء لديه أعذب من الأخذ.
فإن نُصب ميزان العدل بين الأزواج وحِيد ميزان الفضل، فاعلم عزيزي أن الطريق إلى النهاية آتٍ لا محالة. فإن قام العدل، تحول السكن إلى ثكنة، والدفء إلى صقيع، وأصبحت العلاقة مجرد إقامة سببية تنتهي بإنهاء الأسباب، أو إقامة جبرية تنتظر حظها من الفراق. فالأرواح لا تتصل بالحقوق والواجبات، بل تتصل بذاك الفضل السماوي الذي يجعلنا نعطي أكثر مما نأخذ، ونغفر قبل أن نُعْتَذر.







