شعر وأدب
“مكاشفة” أديان الجبوري.. امرأة تكتب أثرها في دفتر الحياة
هاتف الثلج
الحلقة الأولى
توجد أرواح تدخل الحياة وكأنها تعرف منذ خطواتها الأولى أن الطريق لن يكون مجرد عبور من عمر إلى عمر، وإنما امتحاناً مستمراً للقدرة على أن يصنع الإنسان من أيامه معنى، ومن تجاربه معرفة، ومن اسمه مسؤولية، ومن كلمته أثراً؛ وفي العراق تحديداً تبدو هذه الفكرة أكثر حضوراً، لأن الإنسان يولد في أرض لا تسمح لذاكرتها أن تكون بعيدة عن يومه، فالتاريخ هنا لا يسكن الكتب وحدها، بل يمر في أسماء المدن والأنهار والبيوت والحكايات، ويتسلل من جيل إلى آخر حتى يصبح جزءاً من الشخصية.
وفي هذا الفضاء العراقي ولدت أديان الجبوري في السابع من يناير عام 1985، لتبدأ حكاية امرأة ستتعلم مع الزمن أن الإنسان لا يصنع نفسه دفعة واحدة، وإنما يعيد تشكيلها كلما اكتشف شيئاً جديداً عن الحياة، وأن الطريق .
الحقيقي لا يقاس بما وصل إليه المرء، وإنما بما أصبح عليه وهو يمضي.
يحمل اسمها أكثر من دلالة، فـ«أديان» يرتبط في معناه بالإيمان بالمبدأ والالتزام، فيما يحمل «الجبوري» امتداداً اجتماعياً وعشائرياً معروفاً في العراق، غير أن الاسم مهما كان ثقيلاً بتاريخ أصحابه لا يستطيع وحده أن يمنح الإنسان قيمته؛ فالاسم بداية، أما المعنى فتكتبه السيرة. ولهذا آمنت أديان بأن الاسم مسؤولية قبل أن يكون لقباً، وهي رؤية تكشف عن وعي مبكر بأن الإنسان لا يرث احترام الناس كما يرث اسمه، وإنما يصنعه بالمواقف، ولا يحصل على مكانته لأن الآخرين ينادونه باسمه، بل لأنهم يجدون في سلوكه ما يجعل ذلك الاسم جديراً بالاحترام.
نشأت في بيئة عراقية علمتها أن البساطة ليست فقراً في الحياة، وأن احترام الكبير ومساعدة الصغير والوقوف إلى جانب الأهل ليست شعارات اجتماعية، وإنما قواعد تمنح الإنسان توازنه الداخلي. ومن تلك البيئة أخذت هدوءها، والهدوء عندها لا يعني الانسحاب من الحياة، بل يعني القدرة على الإصغاء إليها قبل إصدار الأحكام عليها. كانت ترى في الصدق قيمة تستحق أن تُحترم حتى عندما يكون قاسياً، لأن الحقيقة التي تؤلم في لحظتها .
قد تكون أرحم من كذبة تمنح راحة مؤقتة ثم تترك وراءها خراباً طويلاً.
وفي الطريق الذي قادها إلى التعليم كان للجد، والد والدتها، حضور لا يمكن تجاوزه؛ فقد تكفل برعايتها ودراستها، وكان ذلك العطاء واحداً من اللبنات التي ساعدتها على مواصلة الطريق. خلف كل إنسان يصل إلى محطة مهمة في حياته قصة أشخاص لم تظهر أسماؤهم في واجهة النجاح، لكنهم كانوا حاضرين في التفاصيل التي صنعت الوصول، وربما كان أجمل ما في الوفاء أن تتذكر الإنسانة اليد التي أمسكت بها في البدايات عندما تصبح قادرة على الوقوف وحدها. لذلك لا يمكن قراءة تجربة أديان التعليمية بمعزل عن هذا المعنى الإنساني؛ فالعلم بالنسبة إليها لم يكن مجرد باب للوظيفة أو شهادة تعلق على الجدار، وإنما كان نوعاً من الوفاء للجهد الذي بذل من أجلها، وفرصة لكي توسع حدود ما تعرفه وما تستطيع أن تفعله.
قادها هذا المسار إلى جامعة بغداد، وهناك أخذت المعرفة شكلاً أكثر اتساعاً، لأن الجامعة لا تمنح الطالب الكتب وحدها، بل تضعه أمام عوالم متعددة من الأفكار والشخصيات والأسئلة. حصلت على شهادة البكالوريوس، غير أن الأهم من الورقة التي تثبت التحصيل كان ذلك التحول الداخلي الذي جعل المعرفة عندها بداية لا نهاية؛ فهناك فرق بين من يتعلم لكي ينهي مرحلة، ومن يتعلم لأنه اكتشف أن العالم أكبر بكثير مما يعرفه. أديان اختارت الطريق الثاني، ولهذا ظل فضولها مفتوحاً على الحياة والناس والدراسة والعمل وكل جديد يمكن أن يضيف إلى فهمها.
ومن هذا الاتساع بدأت علاقتها بالأدب والشعر تتشكل بصورة أكثر وضوحاً، ولم تأت الكتابة إليها كزينة تضاف إلى سيرتها، وإنما كحاجة داخلية أخذت تكبر مع الوقت. بعض الناس يكتبون لأنهم يريدون أن يقال عنهم إنهم كتّاب، وبعضهم يكتب لأن الصمت يصبح أثقل من الكلام؛ وأديان وجدت في الكتابة مساحة تستطيع فيها أن تواجه الأسئلة التي لا تجد لها مكاناً في الحديث العابر. وحين تصبح الكتابة جزءاً من الأنفاس، فإن القلم لا يعود أداة، بل يتحول إلى مرآة ترى فيها الإنسانة نفسها والعالم من حولها، فتكتب لا لكي تكرر ما تعرف، وإنما لكي تكتشف ما لم تعرفه بعد
لهذا فإن ميلها إلى الشعر والأدب لا ينفصل عن طبيعتها الفضولية؛ فهي تحب أن تفهم، وأن تتعلم، وأن تنظر إلى الأشياء من أكثر من زاوية. والكاتب الذي يمتلك هذا النوع من الفضول لا يكتفي بظاهر الأحداث، لأنه يعرف أن خلف كل موقف قصة، وخلف كل إنسان حياة كاملة، وخلف كل كلمة سبباً قد لا يظهر من المرة الأولى. الكتابة في جوهرها محاولة للعبور من سطح الأشياء إلى أعماقها، وكلما ازدادت قدرة الكاتب على السؤال، ازدادت قدرته على إنتاج نص يحمل حياة لا مجرد كلمات.







