حين يختلط الحلال بالحرام.. يسقط ميزان القيم
- في السنوات الأخيرة ظهرت ظاهرة خطيرة تهدد استقرار المجتمع، وهي محاولة تبرير الحرام والتعاطف مع المجرمين واللصوص والخاطفين بحجة الفقر أو غلاء المعيشة أو الظروف الصعبة، حتى أصبح البعض ينظر إلى السارق كضحية لا كمذنب، وإلى الجريمة كحل للمشكلات لا ككارثة تهدم الأخلاق والأمان
- لا أحد ينكر أن الظروف الاقتصادية القاسية تؤلم الجميع، وأن هناك أسرًا تعاني وتكافح من أجل الحياة الكريمة، لكن الإسلام لم يجعل الفقر مبررًا للس
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في السنوات الأخيرة ظهرت ظاهرة خطيرة تهدد استقرار المجتمع، وهي محاولة تبرير الحرام والتعاطف مع المجرمين واللصوص والخاطفين بحجة الفقر أو غلاء المعيشة أو الظروف الصعبة، حتى أصبح البعض ينظر إلى السارق كضحية لا كمذنب، وإلى الجريمة كحل للمشكلات لا ككارثة تهدم الأخلاق والأمان.
لا أحد ينكر أن الظروف الاقتصادية القاسية تؤلم الجميع، وأن هناك أسرًا تعاني وتكافح من أجل الحياة الكريمة، لكن الإسلام لم يجعل الفقر مبررًا للسرقة، ولم يبح أكل أموال الناس بالباطل، لأن انهيار مفهوم الحلال والحرام أخطر من أي أزمة اقتصادية، فالمجتمعات لا تسقط بالفقر وحده، بل تسقط عندما يضيع الضمير وتختفي الحدود بين الحق والباطل.
لقد أمرنا الله تعالى بأكل الحلال والسعي الشريف فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
— سورة البقرة: 172
وقال أيضًا:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾
— سورة البقرة: 188
فالمال الحرام لا يبني بيتًا مستقرًا، ولا يصنع مستقبلًا آمنًا، بل ينزع البركة ويزرع الخوف والكراهية داخل المجتمع.
والأخطر من الجريمة نفسها هو تزيينها وتبريرها، لأن التعاطف مع السارق أو المجرم دون إنكار فعله يفتح الباب أمام الأجيال الجديدة لتقبل الحرام شيئًا فشيئًا، فينشأ الطفل وهو يسمع من يقول: “المسكين اضطر يسرق”، أو “الظروف أجبرته”، حتى تصبح الجريمة أمرًا عاديًا في نظره.
الإسلام دين رحمة وعدل، لكنه أيضًا دين يحفظ الحقوق ويصون المجتمع من الفوضى، لذلك جاءت العقوبات لردع الظلم وحماية الناس، قال الله تعالى:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾
— سورة المائدة: 38
والمقصود من العقوبة ليس القسوة، بل حماية المجتمع وردع المجرمين حتى يعيش الناس في أمن وأمان على أموالهم وأعراضهم وأطفالهم.
كما حذر الإسلام من التستر على الظالم أو معاونته، لأن السكوت عن الجريمة يشجع على انتشارها، قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
— سورة المائدة: 2
فلا يجوز أن يتحول التعاطف الإنساني إلى دفاع عن المجرمين أو تبرير لأفعالهم، لأن الضحية الحقيقية دائمًا هي المجتمع، والأطفال، والأسر البسيطة التي تخاف على حياتها وبيوتها.
نحن اليوم في حاجة شديدة إلى إعادة الوعي الديني والأخلاقي داخل البيوت والمدارس والإعلام، وتربية الأبناء على أن الحلال بركة ولو كان قليلًا، وأن التعب والشقاء في العمل الشريف أشرف ألف مرة من مال يأتي بالسرقة أو الظلم أو الخداع.
كما يجب أن نعيد غرس قيمة المسؤولية في النفوس، فالفقر لا يصنع مجرمًا بالضرورة، وهناك ملايين من الشرفاء يعيشون ظروفًا صعبة لكنهم يرفضون الحرام ويحافظون على كرامتهم ودينهم.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس فقط انتشار الجريمة، بل سقوط الحس الأخلاقي الذي يجعل الناس تتعاطف مع الخطأ وتهاجم من يدافع عن الحق. فإذا ضاع ميزان الحلال والحرام ضاع الأمن، وضاعت الثقة، وتحولت الحياة إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف.
ولهذا يجب أن يكون موقف المجتمع واضحًا: الرحمة تكون بمساعدة المحتاج، وتوفير فرص العمل، ودعم الفقراء، لا بتبرير السرقة والخطف والاعتداء على الناس. فالمجرم يظل مجرمًا مهما كانت الظروف، والحق يظل حقًا، والحرام يظل حرامًا إلى يوم الدين.




