عندما تصبح الأمومة ابتلاء.. بقلم سارة الأشموني
- يقال إن الأمومة هي أعظم هدية يمكن أن تنالها المرأة، وإن الطفل يأتي ومعه رزقه وسعادته ونوره
- لكن هناك جانبًا آخر لا يتحدث عنه الكثيرون، جانبًا صامتًا تختنق به آلاف النساء خلف أبواب البيوت المغلقة، بعيدًا عن الصور الجميلة والكلمات الرقيقة
- جانب يجعل الأمومة في بعض الأحيان ابتلاءً ثقيلًا، واختبارًا قاسيًا للروح والجسد والعمر كله
- تبدأ الرحلة منذ اللحظة الأولى التي تعرف فيها المرأة أنها حامل
يقال إن الأمومة هي أعظم هدية يمكن أن تنالها المرأة، وإن الطفل يأتي ومعه رزقه وسعادته ونوره. لكن هناك جانبًا آخر لا يتحدث عنه الكثيرون، جانبًا صامتًا تختنق به آلاف النساء خلف أبواب البيوت المغلقة، بعيدًا عن الصور الجميلة والكلمات الرقيقة. جانب يجعل الأمومة في بعض الأحيان ابتلاءً ثقيلًا، واختبارًا قاسيًا للروح والجسد والعمر كله.
تبدأ الرحلة منذ اللحظة الأولى التي تعرف فيها المرأة أنها حامل. منذ تلك اللحظة لم يعد جسدها ملكًا لها وحدها. يصبح عليها أن تفكر في كل لقمة تأكلها، وكل دواء تتناوله، وكل حركة تقوم بها، وكل خطر قد يهدد ذلك الجنين الصغير الذي لم يولد بعد. فجأة تتحول حياتها إلى سلسلة طويلة من الحذر والخوف والمسؤولية.
تتحمل الغثيان والإرهاق والدوار وآلام الظهر وتغيرات الهرمونات. تستيقظ متعبة وتنام متعبة، وأحيانًا لا تنام أصلًا. وإذا كانت تعمل خارج المنزل، فإنها تحمل هذا العبء معها إلى مكان العمل، تبتسم في وجه الجميع بينما يخوض جسدها معركة يومية لا يراها أحد.
ثم تعود إلى منزلها لتبدأ نوبة عمل أخرى. تنظيف، وطهي، وترتيب، ورعاية للآخرين. وكأن الحمل ليس عملًا كاملًا بحد ذاته.
بعض النساء يجدن شريكًا يساندهن، يشاركهن التعب والخوف والمسؤولية. لكن كثيرات لا يجدن ذلك. بعض الرجال يكتفون بالمشاهدة من بعيد، وبعضهم ينسحب تدريجيًا من المشهد، وكأن الحمل حدث يخص المرأة وحدها. وكأن الطفل الذي يتكون داخل رحمها ليس ابنه أيضًا.
ومع تقدم الحمل، يكبر الخوف. هل الجنين بخير؟ هل ينمو بشكل طبيعي؟ هل ستنجح الفحوصات؟ هل ستكون الولادة آمنة؟ أسئلة لا تنتهي، وقلق لا يتوقف، ومسؤولية تشعر بها المرأة وحدها في كل ثانية.
ثم تأتي الولادة.
اللحظة التي يصفق لها الجميع باعتبارها نهاية المشقة، بينما هي في الحقيقة بداية مرحلة جديدة من التحديات. ساعات من الألم والخوف والمخاطر. جسد يُستنزف إلى أقصى حدوده. وامرأة تعود من معركة حقيقية وهي مطالبة بعد دقائق أو ساعات فقط بأن تصبح أمًا مثالية.
بعد الولادة لا تحصل الأم على إجازة من المسؤولية. لا أحد يقول لها: استريحي الآن.
يبدأ السهر.
تبدأ الرضاعة.
تبدأ الحفاضات.
تبدأ الليالي الطويلة التي يختلط فيها الليل بالنهار.
تبدأ تلك الحالة الدائمة من التأهب، وكأن قلبها خرج من صدرها ليستقر في جسد طفل صغير لا يستطيع حماية نفسه.
تصبح مسؤولة عن إنسان كامل يعتمد عليها في كل شيء. في الطعام، والنوم، والدفء، والأمان، والحب، والبقاء على قيد الحياة.
ثم يأتي ما لا يتحدث عنه الناس كثيرًا: الخوف.
الخوف المستمر.
الخوف من المرض.
الخوف من الحوادث.
الخوف من الفشل.
الخوف من المستقبل.
الخوف من أن يحدث شيء لهذا الطفل.
ذلك الخوف الذي يرافق الأم في نومها وصحوها ويأكل جزءًا من روحها كل يوم.
وقد يأتي الاكتئاب أيضًا. اكتئاب ما بعد الولادة أو الاكتئاب الناتج عن الإرهاق والعزلة والضغط المستمر. فتجد المرأة نفسها تبكي دون سبب واضح، وتشعر بالوحدة رغم وجود الناس حولها، وتشعر بالذنب لأنها تعبت، وبالذنب لأنها حزينة، وبالذنب لأنها لم تعد تعرف نفسها.
لكن أصعب ما يمكن أن تواجهه المرأة هو أن تُترك وحدها.
أن يقرر الشريك الانسحاب.
أن يختفي الدعم.
أن تصبح هي الأم والأب والممرض والمربي والمعيل والحامي في الوقت نفسه.
هنا لا تعود القضية مجرد تربية طفل، بل تتحول إلى معركة بقاء يومية.
تستيقظ وهي مرهقة.
تعمل وهي مرهقة.
تعود إلى منزلها وهي مرهقة.
وتنام وهي تفكر كيف ستوفر الطعام والملابس والتعليم والأمان لطفلها.
وفي كثير من الأحيان تجد نفسها أمام خيارين كلاهما قاسٍ.
إما أن تتمسك بأمومتها بكل ما أوتيت من قوة، فتضحي بأحلامها، ووقتها، وصحتها، وعلاقاتها، وربما سنوات طويلة من عمرها، لتمنح طفلها فرصة حياة كريمة.
وإما أن تستسلم لحاجتها الإنسانية للبقاء، وأن تحاول إنقاذ نفسها قبل أن تغرق، فتُتهم بالأنانية والتقصير والخيانة لأقدس الأدوار التي فرضها عليها المجتمع.
إن المأساة الحقيقية ليست في أن الأم تضحي.
بل في أن العالم اعتاد هذه التضحية حتى توقف عن رؤيتها.
اعتاد أن يرى امرأة تحمل طفلًا على ذراعها وعبئًا على كتفيها وخوفًا في قلبها، ثم يطلب منها المزيد.
المزيد من الصبر.
المزيد من العطاء.
المزيد من التحمل.
وكأنها آلة لا تنهك.
وكأنها لا تملك أحلامًا أو احتياجات أو حدودًا بشرية.
عندما تصبح الأمومة ابتلاءً، لا يكون السبب الطفل.
فالطفل بريء من كل ذلك.
السبب هو عالم يضع المسؤولية كلها فوق كتفي امرأة واحدة، ثم يحاسبها إذا تعثرت.
عالم يصفق للأم المضحية، لكنه نادرًا ما يمد يده لينقذها.
وعلى الرغم من كل شيء، تستيقظ ملايين الأمهات كل صباح ويواصلن السير.
لا لأن الطريق سهل.
ولا لأنهن لا يشعرن بالألم.
بل لأن هناك طفلًا ينتظرهن.
طفلًا لا يعرف حجم المعركة التي تخوضها أمه كل يوم من أجله.
طفلًا قد يكبر يومًا ما دون أن يدرك أن المرأة التي كانت تبدو قوية طوال الوقت، كانت في الحقيقة تقاتل وهي منهكة، وتبتسم وهي مكسورة، وتمنحه الحياة بينما كانت تدفع من عمرها ثمنًا لها.
وهذا هو الوجه الذي لا يراه أحد للأمومة.
الوجه الذي يجعلها، في بعض الأحيان، ليست هدية فقط…
بل ابتلاءً عظيمًا أيضًا.







