شعر وأدب
قصة قصيرة.. “ذكريات عمود” بقلم الروائي العراقي فاضل الربيعي
خلاصة الخبر في نقاط
- أنا لستُ مجرد قطعةٍ من حديدٍ صدئٍ نبتت في رصيفٍ مهجور، ولستُ مجرد فتيلةٍ تحترقُ لتبدد عتمةَ الليل
- أنا الشاهدُ الصامت على انكسارات البشر وطموحاتهم، أنا "مصباح الشارع" الذي امتلكَ وعياً يتجاوزُ حدود الضوء
- بينما كانت أعمدة الإنارة المجاورة لي تكتفي بمدّ أذرعها الضوئية الباهتة، كنتُ أنا الأكثر إشعاعاً، محتفظاً بدائرةٍ من النور، منطقةٍ بكرٍ ونظيفةٍ في وسط شارعٍ يغزوه الغبار، حيث كان يتوافدُ عليّ الساهرون، الباحثون عن ملاذٍ في عت
ذكريات عمود
أنا لستُ مجرد قطعةٍ من حديدٍ صدئٍ نبتت في رصيفٍ مهجور، ولستُ مجرد فتيلةٍ تحترقُ لتبدد عتمةَ الليل؛ أنا الشاهدُ الصامت على انكسارات البشر وطموحاتهم، أنا “مصباح الشارع” الذي امتلكَ وعياً يتجاوزُ حدود الضوء .
بينما كانت أعمدة الإنارة المجاورة لي تكتفي بمدّ أذرعها الضوئية الباهتة، كنتُ أنا الأكثر إشعاعاً، محتفظاً بدائرةٍ من النور، منطقةٍ بكرٍ ونظيفةٍ في وسط شارعٍ يغزوه الغبار، حيث كان يتوافدُ عليّ الساهرون، الباحثون عن ملاذٍ في عتمة المدينة .
في ذاكرتي المتوهجة، تتقاطعُ حكايتان لم أكن لأنساهما
الأول، كان شاباً ملامحه تنطقُ بالنبل، ممشوق القامة، يهتمُ بهندامه رغم بساطتها، وكأنّ للثيابِ احتراماً في حضرةِ طموحه. كان يأتي كلّ ليلة، وحين تفرغُ الشوارعُ من ضجيجها، يفتحُ دفاتره، يقرأُ ويكتبُ ملاحظاتٍ تلمعُ في عينيّ بريقاً لا يضاهي ضوئي. وحين ينهكهُ السهر، كان يميلُ بظهرهِ ليستندَ إليّ، فكنتُ أشعرُ بدفءِ روحهِ ينسابُ عبر حديدي البارد، وكأننا نتبادلُ سراً، هو يمنحني شرفَ مشاركتهِ الحلم، وأنا أمنحهُ الاستقامة. ثم يغادرُ بدراجته، تاركاً خلفهُ أثراً من العزم والاصرار.
أما الثاني، فكان نقيضهُ تماماً. وجهٌ نحيلٌ ينهشهُ القلق، يجلسُ طويلاً لا ليقرأ، بل ليحرقَ وقتهُ بدخانٍ كريه، رائحتهُ مقرفة، تلوثُ نقاءَ ضوئي. كان يترقبُ الطريق بعينين زائغتين، كأنَّ الظلام يطاردهُ لانّهُ يجلسُ في كنفه. كان يغادرُ قبيل الفجر، مثقلاً بخطواتٍ متعثرة، يجرُّ خيبتهُ خلفه.
انقطعَ الأولُ عني طويلاً، فبدأت أظنُّ أنَّ الشوارع قد ابتلعته كما تبتلعُ الكثيرين. ثم، وفي ليلةٍ هادئة، توقفت سيارةٌ قرب عامودي. نزلَ هو، لكنه لم يعد ذلك الشاب البسيط؛ كانت ترتدي “سدريته” البيضاء الناصعة، وتتدلى على عنقهِ سماعةٌ طبيةٌ كقلادةٍ تليقُ بمقامِ الفرسان. وقفَ أمامي، تأملني طويلاً، وكأنما أرادَ أن يقرأ في صدى حديدي حكايات الليالي الخوالي. اقتربَ مني بحنوٍ لم أعرف له مثيلاً، مسحَ بيدهِ على جسدي المعدني برفقٍ لا يفعلهُ إلا محب، وقال لرفيقٍ له جاء بهِ بسيارته:- “هذا كان رفيقي الدراسي، هنا كنت أستلهمُ الأمل، وأنا أدينُ لهذا العامودِ بكلِّ هذا النجاح “.
لم تكن الكلمات وحدها هي ما هزّ كياني، بل تلك النظرة في عينيه، نظرةُ رجلٍ تصالح مع ماضيه، وعادَ ليقبلَ جبينَ “صديقه الحديدي” الذي احتضن حلمه حين كان مجرد فكرةٍ وليدة. في تلك اللحظة، شعرتُ بوهجٍ يفوقُ قدرةَ الكهرباء، شعرتُ بالخفةِ والسعادة، وكأنّ كلَّ ذرةِ غبارٍ على جسدي قد استحالت ذهباً.
أما ذلك الشاب النحيل، فقد كانت ليلتُه الأخيرة مختلفة. داهمت الشارع سياراتٌ سوداء، وصرخاتُ رجالِ “الشرطة” مزقت سكون الليل. رأيتهم ينقضون عليه، يقتادونهُ إلى المجهول، ويسحبونهُ بعيداً عن دائرة ضوئي التي لم تعد تحميه من قدره المحتوم. لا أعلمُ أين انتهى بهِ المصير، ولكني أحنُّ بصدقٍ لذاك الشاب الطبيب الذي كبُرَ في حضنِ ضوئي، وأتألمُ، بصمتٍ حديديٍّ موجع، على ذلك المسكين الذي ضاعت حياتهُ بين أصابعِ الدخان.
ففي نهايةِ المطاف، يظلُّ العامودُ هو العامود، لكنَّ الفرقَ يكمنُ فيمن يختارُ أن يستندَ إلى النور، ومن يختارُ أن يذوبَ في العتمة.
فاضل محمد الربيعي






