«يا أهل اليمن يمنكم.. ويا أهل العراق عراقكم».. مصر ليست وطنًا بديلًا إلى الأبد
الكاتبة الصحفية
شيرين عصام
مصر التي فتحت أبوابها للإنسان قبل أن تسأله عن جنسيته، وقدمت المأوى لمن ضاقت بهم أوطانهم، لا ينبغي أن تتحول استضافتها إلى إقامة بلا ضوابط، ولا ينبغي أن يصبح التسامح بابًا للفوضى أو مخالفة القانون.
ومن هنا تستوقفنا الرواية المنسوبة إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والتي وردت بألفاظ متقاربة: «يا أهل اليمن يمنكم، ويا أهل الشام شامكم، ويا أهل العراق عراقكم».
المغزى الذي يمكن استحضاره اليوم ليس طرد أحد لمجرد كونه وافدًا، وإنما التذكير بأن الوطن الأصلي يظل هو الأصل، وأن الإقامة في بلد آخر ليست بالضرورة إقامة دائمة.
لقد احتضنت مصر أعدادًا كبيرة من القادمين من دول مختلفة، وتحملت أعباء اقتصادية وخدمية وأمنية في ظروف صعبة. وهذا موقف إنساني لا ينكره منصف.
لكن الإنسانية لا تعني الفوضى.
والضيافة لا تعني إسقاط القانون.
واللجوء لا يعني الحصول على حصانة من المحاسبة.
من يرتكب جريمة يُحاسب، ومن يخالف شروط الإقامة تطبق عليه القواعد القانونية، ومن يصبح قادرًا على العودة الآمنة إلى بلده يمكن أن تكون العودة الطوعية أحد الحلول المطروحة.
أما أن يتحول الحديث عن اللاجئين إلى اتهام جماعي، فهذا ظلم لا يخدم مصر ولا يخدم القضية.
فاللاجئ الملتزم بالقانون ليس خصمًا للمصري، والمصري ليس عدوًا للاجئ.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المخالفة الفردية إلى ظاهرة بلا رقابة، أو عندما يشعر المواطن أن القانون لا يُطبق على الجميع بالمعيار نفسه.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
لا أحد فوق القانون.. مصريًا كان أو أجنبيًا.
مصر تحتاج إلى منظومة دقيقة لتنظيم الإقامة، ومراجعة أوضاع المقيمين، وملاحقة المخالفات، ومحاسبة من يثبت ارتكابه جريمة، وفي الوقت نفسه احترام الالتزامات الإنسانية والقانونية تجاه من يستحق الحماية.
فالعودة إلى الوطن، عندما تكون آمنة وطوعية وممكنة، ليست عقوبة.
بل قد تكون بداية جديدة.
والمطلوب ليس خطاب كراهية، ولا حملات ضد جنسية بعينها، وإنما دولة قوية تعرف متى تستضيف، وكيف تنظم، ومتى تطبق القانون، وكيف تتيح العودة الآمنة لمن انتهت أسباب بقائه خارج وطنه.
مصر ليست ضد الإنسان.
مصر ضد الفوضى.
ومصر ليست ضد اللاجئ.
مصر ضد أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والاستضافة إلى وضع دائم بلا تنظيم، والحق في الحماية إلى ذريعة لمخالفة القانون.
ويبقى الدرس الأهم:
لكل إنسان وطن، ولكل دولة قانون، ولكل ضيافة حدود.
فكما جاء في الرواية المنسوبة إلى الفاروق:
«يا أهل اليمن يمنكم.. ويا أهل الشام شامكم.. ويا أهل العراق عراقكم».
واليوم نقول:
من جاء إلى مصر ضيفًا فله حق الضيافة في إطار القانون، ومن أقام فيها فعليه احترام قانونها، ومن استطاع العودة إلى وطنه بأمان فليكن الوطن هو الوجهة.







