أكتوبر.. يومٌ أعاد لمصر كرامتها ويومٌ غاب فيه صاحب قرار العبور
بقلم: الكاتبة الصحفية شيرين عصام
هل كان نصر أكتوبر انتقامًا لنكسة يونيو؟
ربما تبدو كلمة «الانتقام» معبرة عن المشاعر التي حملها المصريون بعد هزيمة 1967، لكنها تاريخيًا لا تختصر وحدها قصة أكتوبر. فحرب أكتوبر 1973 كانت، في جوهرها، حربًا لاستعادة الأرض والكرامة وفرض واقع عسكري وسياسي جديد بعد سنوات من الاحتلال والاستنزاف. وقد قررت مصر وسوريا خوض الحرب بهدف استرداد الأراضي التي فقدتاها في حرب 1967.
لكن أكتوبر لم يكن مجرد معركة عسكرية…
كان اختبارًا لقدرة المصري على تحويل الهزيمة إلى درس، والانكسار إلى إعداد، والانتظار إلى قرار.
من النكسة إلى العبور
بعد يونيو 1967، لم يكن أمام مصر إلا طريقان: أن تستسلم للأمر الواقع، أو تعيد بناء قواتها المسلحة وتنتظر اللحظة المناسبة.
اختارت مصر الطريق الثاني.
وجاءت حرب الاستنزاف لتكون مرحلة مهمة في إعادة بناء الثقة والقدرات العسكرية، ثم جاء القرار الأصعب: العبور.
وفي الثانية ظهرًا من السادس من أكتوبر 1973، الموافق العاشر من رمضان، بدأت العمليات المصرية والسورية على الجبهتين. وعبرت القوات المصرية قناة السويس ورفعت العلم المصري على الضفة الشرقية، في مشهد أصبح واحدًا من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث.
وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة مهمة:
النصر لم يصنعه شخص واحد.
صنعه الجندي الذي عبر القناة، والضابط الذي خطط، والمهندس الذي أوجد الحلول، والطيار الذي خاض المعركة، والأسرة المصرية التي تحملت سنوات الحرب، وشعب كامل كان ينتظر يومًا تعود فيه سيناء إلى حضن الوطن.
لكن التاريخ أيضًا يسجل اسم رجل ارتبط اسمه بقرار العبور:
محمد أنور السادات.
فالرئاسة المصرية توثق أنه صاحب قرار العبور التاريخي في حرب أكتوبر 1973.
أكتوبر.. لم يكن يومًا عاديًا في حياة مصر
ولهذا عندما تأتي ذكرى السادس من أكتوبر، لا ينبغي أن تكون الاحتفالات مجرد عروض وأغانٍ وشعارات.
علينا أن نتذكر لماذا حارب المصريون؟
حاربوا لأن الأرض ليست مجرد مساحة على الخريطة.
ولأن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا.
ولأن الشعوب التي تعرف قيمة وطنها تستطيع أن تنهض حتى بعد أقسى الانكسارات.
أكتوبر يقول للأجيال الجديدة إن التاريخ لا يُكتب بالشكوى، وإنما بالعمل والإعداد والصبر والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.
المفارقة الحزينة.. السادات يموت في يوم نصره
ومن أكثر المفارقات قسوة في التاريخ المصري أن الرجل الذي ارتبط اسمه بقرار العبور، اغتيل في السادس من أكتوبر عام 1981، أثناء الاحتفال بالذكرى الثامنة لانتصار أكتوبر. وتؤكد مؤسسة الرئاسة المصرية أن السادات اغتيل في 6 أكتوبر 1981.
كأن التاريخ اختار أن يجمع في اليوم نفسه بين صورتين متناقضتين:
صورة مصر المنتصرة… وصورة قائدها الذي رحل.
في السادس من أكتوبر 1973 كان السادات يعلن للعالم أن مصر استطاعت أن تعبر من الهزيمة إلى النصر.
وبعد ثمانية أعوام فقط، وفي اليوم ذاته، سقط السادات قتيلًا أثناء الاحتفال بهذا الانتصار.
رحل الرجل، لكن يوم العبور لم يرحل.
ورحلت سنوات السادات، لكن اسم أكتوبر ظل مرتبطًا في الذاكرة المصرية بجنود لم يعودوا إلى بيوتهم، وبشهداء تركوا وراءهم أمهات وزوجات وأبناء، وبوطن استعاد ثقته بنفسه.
أكتوبر ليس انتقامًا.. بل استردادًا للكرامة
لذلك ربما يكون التعبير الأدق:
لم تكن حرب أكتوبر مجرد انتقام من نكسة يونيو، وإنما كانت ردًا تاريخيًا على واقع فرضته هزيمة 1967، ومحاولة مصرية لاستعادة الأرض والقدرة على الردع والكرامة الوطنية.
فالانتقام ينتهي بانتهاء الخصومة، أما استعادة الأرض والكرامة فتبقى جزءًا من ذاكرة الوطن.
ولهذا ستظل مصر في كل أكتوبر تتذكر…
الجندي قبل القائد.
والشهيد قبل الاحتفال.
والعلم قبل الأغنية.
وسيناء قبل المهرجان.
وتتذكر أن هناك أجيالًا كاملة دفعت ثمنًا غاليًا حتى تستطيع أجيال لاحقة أن تعيش وهي ترى علم مصر مرفوعًا على أرض سيناء.
كل عام ومصر منتصرة بجيشها وشعبها.
كل الرحمة لشهداء مصر.
والسلام لروح أنور السادات، الرجل الذي اتخذ قرار العبور، ثم غاب جسده وبقي السادس من أكتوبر شاهدًا على مرحلة فارقة في تاريخ مصر.







