زمن انكسرت فيه البوصلة
- ليست المأساة الكبرى أن يزداد الشر في العالم ، فالشر قديم منذ أن خلق الله الإنسان على وجه الأرض، ولكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الحقيقة وصورتها الزائفة
- حين يصبح الصدق موضع شك وريبة ، ويغدو التزييف أكثر قبولاً من النقاء والوضوح
- بل لأنه أكثر راحة للضمير الهارب من مواجهة نفسه
- فحين تتبدل القيم تحت ضجيج المصالح ، يغدو الناس أسرى الصوت الأعلى
ليست المأساة الكبرى أن يزداد الشر في العالم ، فالشر قديم منذ أن خلق الله الإنسان على وجه الأرض، ولكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الحقيقة وصورتها الزائفة.. حين يصبح الصدق موضع شك وريبة ، ويغدو التزييف أكثر قبولاً من النقاء والوضوح؛ لا لأنه أصدق ؛ بل لأنه أكثر راحة للضمير الهارب من مواجهة نفسه.
إنها انقلاب المعايير؛ فحين تتبدل القيم تحت ضجيج المصالح ، يغدو الناس أسرى الصوت الأعلى ؛ غير مبالين بالبحث عن جوهر الحقيقة .. فإنسان هذا العصر لا يخشى الجوع بقدر ما اعتاد على فقدان المعنى ؛ فالمجاعات القديمة كانت تنهك الأجساد ؛ غير أن مجاعة القيم المنتهكة والتي نعيشها اليوم تستنزف الروح ببطء مرير؛ حتى أصبح كثيرون يسيرون بين الناس بأجساد حاضرة وقلوبٍ مُرهقة من فرط ما رأت من تسفيه لقيم أصيلة تاهت ملامحها وقاربت على الاندثار..
لقد وصل العالم الآن للحظة مرتبكة حيث اختلطت فيها القيم الطيبة بالخبيثة حتى بدىَ وكأن البوصلة الأخلاقية للإنسان قد تحطمت تماماً. فلم تعُد معالم الحقيقة واضحة ؛ ، بل صار الإنسان النقي مطالباً كل يوم بأن يبرر نقاءه أمام عالم ، إعتاد الأقنعة حتى ظن أن الوجه الذي يتسم بالحقيقة نوع من السذاجة .
ففي هذا الزمن لم يعد الكاذب يخشى انكشافه ، لأنه أدرك أن الضجيج أعلى صوتا من الحقيقة ، وأن الجماهير كثيراً ما تنحاز لمن يجيد الأداء البهلواني ؛ لا لمن يحمل لآلئ القيم ، فصار الزيف والتزييف أكثر أناقة ، وصار الخداع أكثر قدرة على ارتداء اللغة اللامعة والشعارات البراقة ، بينما يقف الصادق وحيدا مرتبكاً أمام عالم يطالبه بالتخلي عن ضميره كي يستطع العبور بسلام ..
لقد تبدلت المفاهيم الأصيلة بصورة مرعبة، فأصبح الوقار ضعفاً ، والحياء عجزاً، والتسامح قلة حيلة، غير أن التلون والقدرة على الكذب والخداع صار يسمى ذكاء اجتماعي، وأصبح مفهوم القسوة والفجاجة وفظاظة القلب نوع من الحزم .. والانتهازية هي طريق النجاح..
إن المؤلم حقاً أن أكثر الناس إنهاكاً اليوم هم أولئك الذين تربوا على المعنى الحقيقي للأخلاق وأصول الدين القويم .. هؤلاء هم الذين آمنوا منذ البداية أن الصدق نجاة ، وأن الرحمة قوة ، وأن الاحترام قيمة انسانية لا تسقط بتغير الزمن ..
لقد ضللنا الطريق وانحرفت البوصلة ؛ وأصبحنا في غابة تبدو في شكلها أنيقة ؛ بينما هي غابة للأشباح لا ينجو فيها الأصدق والأمين ، بل ينجو الأكثر قدرة على التكيف مع الخراب.. إنها ليست أزمة أفراد فقط بل أزمة وعي كامل .. أزمة عالم فقد قدرته على التمييز بين لمعان السراب وبين طريق النور؛ بين الحضور الأصيل والاستعراض الفارغ.
غير أنني حقاً، ورغم انكسار البوصلة وانحرافها ؛ وانعدام الرؤية يظل الأمل فهو بؤرة الضوء التي يهفوا اليها الإنسان المؤمن بقيمه ؛ والمتيقن بالعودة لدار الفناء ؛ ولتبقى الحقيقة بالنهاية رغم حصارها ؛ لكنها أبدا لن تموت ، ولأن الضجيج مهما ارتفع لا يستطيع أن يتحول إلى نور .. قد يتأخر العدل أحياناً ، وقد يعلو صوت الباطل حتى يخيل للقلوب المتعبة أن الموازين اختلت للأبد .. إلا أن الله لا يخذل الحق ؛ وإن بدىَ الطريق إليه طويلاً .. ولا يترك الصدق مهزوماً وإن لمع زيف الكذب ؛ وربما يحاصر أحياناً نور الحقيقة .. لكنه أبدا لا ينطفئ .. فالزيف مهما تمدد يظل محتاجاً للأقنعة ، لكن الصدق دائما لا يحتاج إلا نفسه ..
بقلم / الفنانة والكاتبة
د . أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي.




