حين تصبح الأشياء التي أحببناها مرآة للوجع
- ليس مجرد هواية عابرة، بل شغف حقيقي رافقني سنوات طويلة
- منذ أن كنت في المرحلة الثانوية وأنا أحمل الكاميرا كأنها جزء من روحي
- احترفت تصوير الفيديو في زمن كانت فيه الأفراح والمناسبات تُوثَّق بعدسات المصورين، وتخصصت في تصوير مناقشات رسائل الماجستير والدكتوراه
- ولم تكن كاميرا الفيديو وحدها رفيقتي، بل كانت هناك كاميرا كانون صغيرة ترافقني أينما ذهبت
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
كنتُ أعشق التصوير.
ليس مجرد هواية عابرة، بل شغف حقيقي رافقني سنوات طويلة. منذ أن كنت في المرحلة الثانوية وأنا أحمل الكاميرا كأنها جزء من روحي. احترفت تصوير الفيديو في زمن كانت فيه الأفراح والمناسبات تُوثَّق بعدسات المصورين، وتخصصت في تصوير مناقشات رسائل الماجستير والدكتوراه. ولم تكن كاميرا الفيديو وحدها رفيقتي، بل كانت هناك كاميرا كانون صغيرة ترافقني أينما ذهبت.
كنت أرى العالم من خلال العدسة.
أُصوِّر الأماكن والوجوه واللحظات العابرة، ثم جاء الهاتف المحمول المزود بالكاميرا فأصبح الأمر أسهل وأقرب إلى القلب. صرت ألتقط الصور لكل شيء؛ للطعام والشراب، للسماء، للشوارع، ولتفاصيل الحياة الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد.
لكن سبحان الله…
منذ نحو عامين بدأت بعض التجاعيد الصغيرة تتسلل إلى وجهي بهدوء، كما تتسلل السنوات إلى أعمارنا دون استئذان. وجدت نفسي أتجنب التصوير الفوتوغرافي شيئًا فشيئًا، وأهرب من الكاميرا التي كنت أعشقها. شعرت أنني لم أعد أرى في الصور تلك الفتاة التي اعتدت رؤيتها لسنوات طويلة.
وقتها أدركت حقيقة مهمة:
لا شيء يبقى كما هو.
الأشياء التي نظن أننا سنحبها إلى الأبد قد تتغير علاقتنا بها، والأشخاص الذين سكنوا قلوبنا قد يأتي يوم نصبح فيه عاجزين حتى عن النظر في وجوههم. ليس لأن الحب كان كذبًا، ولا لأن المشاعر كانت وهمًا، ولكن لأن بعض الجروح تترك آثارًا لا تراها العيون.
فالخذلان لا يأتي دفعة واحدة، وقلة الأصل لا تُكتشف في موقف واحد، وغرابة الطباع لا تظهر فجأة.
كل ذلك يتسلل إلى أرواحنا ببطء…
تمامًا كما تتسلل التجاعيد إلى الوجه.
لا نشعر بها يومًا بعد يوم، ثم نستيقظ فجأة لنكتشف أن شيئًا كبيرًا قد تغيّر.
ولهذا حين يبتعد الإنسان عن شيء كان يحبه، أو عن شخص كان يحتل مكانة خاصة في قلبه، فلا تظن أن القرار وُلد في لحظة. وراء كل ابتعاد قصة طويلة من الصبر، ومحاولات الفهم، وتقديم الأعذار، ثم التعب.
فنحن لا نكره شيئًا أحببناه من القلب إلا إذا تأذينا منه كثيرًا.
ولا نهرب من الأماكن أو الوجوه إلا عندما تصبح مرآةً تذكرنا بأوجاع نحاول نسيانها.
في النهاية، يظل البعد أحيانًا أرحم من البقاء، ويظل الصمت أبلغ من ألف عتاب، لأن الإنسان لا يريد أن يرى نفسه قبيحًا في عيون من أحبهم، ولا صورةً مشوهةً في مرآة الذكريات.
فبعض المسافات ليست هروبًا… بل نجاة






