⚡ عاجل
فن

الدكتور محمد زعيمة يطالب بإحياء المسرحيات الجادة عبر التلفزيون ويوتيوب

كتب صموئيل نبيل أديب

في الوقت الذي تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل المسرح المصري وأسباب ابتعاد قطاعات من الجمهور عن بعض أشكاله الجادة، طرح الدكتور محمد زعيمة خلال ندوة إلى أين يتجه المسرح المصري وجمهوره؟ بدار بتانة للنشر، مساء الأربعاء الماضي، دعوة تستحق التوقف أمامها، تتمثل في ضرورة إعادة إحياء المسرحيات الجادة التي قدمها التلفزيون المصري على مدار عقود، وإتاحتها للأجيال الجديدة من خلال عروض تلفزيونية منتظمة أو إنشاء قناة متخصصة على يوتيوب، بعد ترميم التسجيلات القديمة وتحسين جودة الصورة والصوت حتى تصبح صالحة للمشاهدة المعاصرة.

لم تكن دعوة الدكتور محمد زعيمة مجرد اقتراح بإعادة عرض أعمال قديمة، وإنما حملت في جوهرها سؤالًا عن مسؤوليتنا تجاه الذاكرة المسرحية المصرية، وعن الكيفية التي يمكن بها أن تستعيد هذه الأعمال حضورها في وجدان جمهور لم تتح له فرصة مشاهدتها، أو لم يعرف عنها سوى أسماء متناثرة في تاريخ الفن. فالمسرحيات الجادة ليست مجرد تسجيلات محفوظة في الأرشيف، بل تجارب فنية وفكرية يمكن أن تفتح للأجيال الجديدة نافذة على مراحل مهمة من تطور المسرح المصري.

وربط الدكتور محمد زعيمة بين تراجع حضور المسرحيات الجادة على الشاشة وبين تشكل ذائقة تلفزيونية اعتادت مشاهدة الأعمال الكوميدية، في مقابل غياب منتظم للمسرحيات التي تحمل أفكارًا جادة أو تقدم اللغة العربية الفصحى على خشبة المسرح. ومن هنا جاءت دعوته إلى إعادة تقديم هذه الأعمال بصورة مستمرة، سواء عبر قنوات التلفزيون، ومنها ماسبيرو زمان، أو من خلال قناة متخصصة على يوتيوب، بما يتيح الوصول إليها في أي وقت، بدلًا من أن تظل حبيسة الأرشيف أو تظهر في مواعيد متأخرة لا تساعد على انتشارها.

وضرب الدكتور محمد زعيمة مثالًا بمسرحية كوميديا الغربان التي سبق عرضها تلفزيونيًا ثم غابت عن الشاشة، متسائلًا عن أسباب عدم إعادة تقديم مثل هذه الأعمال، خاصة أن إتاحتها اليوم لا تتطلب بالضرورة إنتاجًا مسرحيًا جديدًا بقدر ما تحتاج إلى إرادة جادة لاستعادة المادة الموجودة، والعمل على ترميمها فنيًا وإعادة تقديمها بصورة تليق بقيمتها.

لكن استعادة المسرحيات القديمة، كما كشفت مناقشات الندوة، لا تنفصل عن أزمة أوسع تتعلق بعلاقة المسرح بجمهوره، وبالتحولات التي أصابت المؤسسات والآليات التي كانت تضمن وصوله إلى الناس. فقد أشار الدكتور محمد زعيمة إلى الدور الذي لعبته الثقافة الجماهيرية وقصور الثقافة خلال ستينيات القرن الماضي، حين كان انتشار المسرح جزءًا من مشروع ثقافي وتعليمي للدولة، وكانت الفكرة تتجه إلى وجود مسرح في كل مدينة، بما يجعل النشاط الفني قريبًا من المواطنين، لا حكرًا على جمهور العاصمة. غير أن هذا الدور تراجع في مراحل لاحقة، حتى أصبحت بعض المسارح مغلقة، ومن بينها مسرح دمياط، وهو ما يطرح سؤالًا عن مصير البنية التي كان يفترض أن تحمل المسرح إلى مختلف المحافظات.

ومن زاوية أخرى، توقف الدكتور محمد زعيمة أمام مشكلة إعداد العروض المسرحية، منتقدًا اتجاه بعض المخرجين الشباب إلى تقديم أعمال ترضي لجان التقييم والمشاهدة أكثر مما تخاطب الجمهور الحقيقي. واستعاد في هذا السياق تجربة حضوره لجنة لمشاهدة عرض في إحدى قرى أخميم، حيث وجد أن العمل لا يناسب طبيعة المكان أو جمهوره، وعندما سأل المخرج عن ذلك اكتشف أن العرض أُعد في الأساس من أجل اللجنة، لا من أجل المتفرجين الذين يفترض أن يكونوا الطرف الأهم في أي تجربة مسرحية.

وهنا تكتسب ملاحظة الناقد يسري حسان، الذي أدار الندوة، أهميتها، إذ أعاد النقاش إلى جوهر التجربة المسرحية، المتمثل في سحر الحضور الحي والعلاقة المباشرة بين الممثل والمتفرج. فالمسرح، كما أوضح الناقد يسري حسان، يستوعب الفنون الأخرى ويمنحها فرصة الالتقاء على خشبته، لكن خصوصيته الحقيقية تظل في تلك المسافة الحية التي تنشأ بين الممثل والجمهور، وفي أن العرض الواحد لا يتكرر بالصورة نفسها مرتين، لأن حركة الممثلين وتفاعلهم والظروف المحيطة بالعرض تتغير من ليلة إلى أخرى.

كما لفت الناقد يسري حسان إلى تنوع الجمهور المصري واختلاف شرائحه، وهو تنوع ينبغي أن ينعكس على طبيعة ما يقدم على الخشبة. وتناول في حديثه بعض أنماط المسرح الخاص خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين اعتمدت عروض كثيرة على خلطة النجم والمطرب والكوميديان لجذب الجمهور، واستمر هذا النمط في تجارب متعددة، باستثناء تجارب مغايرة ارتبطت بالفنان محمد عوض وفرقة التلفزيون، بما يكشف أن علاقة المسرح بالجمهور لم تكن يومًا مسألة نص جيد وحده، بل ترتبط أيضًا بشكل العرض وطريقة تقديمه وقدرته على الوصول إلى المتفرج.

أما الدكتور محمد سمير الخطيب فقد وضع أزمة المسرح في سياقها التاريخي والثقافي، موضحًا أن حركة مسارح الثقافة انتقلت من كونها مشروعًا فكريًا ووطنيًا تحظى برعاية الدولة وتوجيهها إلى مجرد نشاط في كثير من الأحيان، وهو تحول لا يتعلق فقط بحجم الدعم المادي، بل يمتد إلى غياب الرؤية التي كانت تمنح المسرح وظيفة ثقافية تتجاوز تقديم العروض.

وأشار الدكتور محمد سمير الخطيب إلى أن رعاية الدولة للمسرح لها جذور تاريخية ممتدة، بدأت منذ عصر الخديوي إسماعيل وما ارتبط به من تأسيس دار الأوبرا، ثم شهدت الستينيات مرحلة قوية من الدعم الرسمي، حين كان المسرح جزءًا من مشروع ثقافي يتصل برؤية الدولة لدورها وتأثيرها. وكانت الطبقة الوسطى تمثل قطاعًا أساسيًا من جمهوره، قبل أن تؤثر التحولات السياسية والاجتماعية، وخاصة ما أعقب هزيمة عام 1967، في تماسك ذلك المشروع وفي الدور الذي كان يؤديه المسرح باعتباره إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة.

ولم يغفل الدكتور محمد سمير الخطيب التحولات التي طرأت على الجمهور نفسه، مؤكدًا أن الأجيال الجديدة تختلف في اهتماماتها وتكوينها عن جمهور الستينيات، وأن المسرح لا يستطيع تجاهل هذا التغير، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الإنتاج وثقل بعض العروض من حيث الشكل والموضوع. ومن ثم فإن استعادة الجمهور لا تتحقق بمجرد استدعاء صيغ قديمة، بل تحتاج إلى فهم المتفرج المعاصر والاقتراب من أسئلته واحتياجاته.

وفي الجانب الاقتصادي، عاد الدكتور محمد زعيمة إلى واحدة من العقبات التي تؤثر في قدرة الفرق المسرحية على الإنتاج، وهي ضعف المقابل المادي الذي يحصل عليه المؤلف، في مقابل ارتفاع رسوم حماية الملكية الفكرية والتكاليف الإدارية المرتبطة بتقديم النصوص. فهذه الأعباء تجعل بعض الفرق الصغيرة عاجزة عن تحمل تكلفة النصوص المحلية، فتتجه إلى الأعمال العالمية والكلاسيكية لتقليل النفقات، وهو ما يضعف فرص المؤلف المسرحي المصري في الوصول إلى الخشبة. ولذلك دعا الدكتور محمد زعيمة إلى رفع المقابل الذي يحصل عليه الكاتب، وتخفيف الرسوم والأعباء التي تعترض طريق الفرق المسرحية.

وقد شهدت الندوة حضورًا لافتًا امتلأت به قاعة دار بتانة، ولم يقتصر التفاعل على الاستماع إلى المتحدثين، بل امتد إلى أسئلة ومداخلات من الحضور فتحت مساحات جديدة للنقاش حول واقع المسرح وسبل استعادة دوره. وفي ختام الحوار برزت مجموعة من المقترحات، من بينها التعامل مع المسرح باعتباره صناعة تستحق التخطيط والاستثمار مثل السينما، وتجديد البنية التحتية للمسارح، وتخفيف الأعباء المالية عن الفرق والمبدعين، واختيار قيادات واعية لإدارة المؤسسات المسرحية، إلى جانب إعادة إتاحة العروض الجادة المحفوظة في الأرشيف بعد ترميمها وتقديمها للجمهور في أوقات مناسبة.

وفي هذا السياق، أُشير إلى تجربة مهرجان نقابة المهن التمثيلية بقيادة الدكتور أشرف زكي، وما قدمه من 65 عرضًا مسرحيًا مجانيًا، باعتبارها نموذجًا لإمكانية تحريك النشاط المسرحي وإتاحة الفرصة أمام الجمهور لمشاهدة العروض دون تحميله تكلفة التذاكر، ودون أن تتحمل الدولة أعباء مالية مباشرة عن تلك العروض وفق ما طُرح خلال الندوة.

إن الدعوة التي أطلقها الدكتور محمد زعيمة لإحياء المسرحيات الجادة عبر التلفزيون ويوتيوب تفتح بابًا عمليًا لاستعادة جانب مهم من تاريخ المسرح المصري، لكنها تكتسب معناها الأوسع حين توضع إلى جوار بقية الأسئلة التي طرحتها الندوة: أين ذهبت المؤسسات التي كانت تنشر المسرح في المحافظات؟ وكيف تغيرت علاقة الدولة بالمشروع الثقافي؟ ولماذا أصبح بعض المبدعين يعملون لإرضاء لجان التقييم بدلًا من مخاطبة الجمهور؟ وكيف يمكن حماية الكاتب المسرحي من الأعباء التي تحرمه من عائد إبداعه؟

ربما لا تعيد شاشة التلفزيون أو قناة على يوتيوب الجمهور وحدهما إلى المسرح، لكنهما تستطيعان أن تبدآ خطوة ضرورية، هي إعادة الصلة بين الأجيال الجديدة وتاريخ فني لا ينبغي أن يظل بعيدًا عن متناولها. فالمسرح المصري لا يحتاج فقط إلى عروض جديدة، بل يحتاج أيضًا إلى أن يتذكر ما أنجزه، وأن يمنح ذاكرته فرصة للحياة من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى