الفنانة والكاتبة أمينة سالم تكتب.. المدينة المقدسة
- ليست المدن المقدسة مجرد خرائط تُرسم على الورق ، ولا حدوداً تحرس الحجارة والأسوار، بل هي تلك البقاع التي تتخفف فيها الأرض من ثقل ماذيتها، فتغدو أقرب إلى المعنى منها إلى المادة
- هناك يصبح الهواء محملاً بأصداء الأنبياء ، وتتحول الذاكرة إلى صلاة طويلة لا تنطفئ ، تلك هو المعنى الحقيقي للمدينة المقدسة التي ولدت هذا العام من رحم مصر بقلب سيناء الحبيبة
بقلم / الفنانة والكاتبة
د . أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي
ليست المدن المقدسة مجرد خرائط تُرسم على الورق ، ولا حدوداً تحرس الحجارة والأسوار، بل هي تلك البقاع التي تتخفف فيها الأرض من ثقل ماذيتها، فتغدو أقرب إلى المعنى منها إلى المادة. هناك يصبح الهواء محملاً بأصداء الأنبياء ، وتتحول الذاكرة إلى صلاة طويلة لا تنطفئ ، تلك هو المعنى الحقيقي للمدينة المقدسة التي ولدت هذا العام من رحم مصر بقلب سيناء الحبيبة ؛حيث تتعانق السماء مع صمت الجبال وتُروى الحجارة سير الأنبياء والقدسين والعابرين تنبع فكرة ” المدينة المقدسة ” لا باعتبارها مجرد عمران جديد ؛ بل كحُلم إنساني وروحي يُعيد اكتشاف العلاقة بين الأرض وخلجات الروح.
اشتهرت سيناء كأرض تجلىَ عليها الله ؛ فأصبحت محراب للعبور والرسالات السماوية ؛ ومكاناً يحمل رهبة روحية في الوعي الإنساني منذ آلاف السنين ؛ ومن ثم فحين نطلق على مدينة وليدة اسم ” المدينة المقدسة ” فنحن لا نطلق عليها اسما شاعرياً بقدر ما نعيد ربط المدينة بجذورها الرمزية والتاريخية ؛ إضافة إلى أن اختيار موقعها للبناء يُعد موقعاً استراتيجياً ؛ ليس لكونه أعلى من سطح البحر بل لكونه رسالة مصرية سامية على الحدود تمحو من الذاكرة الحية نقاط التوتر أو الخوف لصراع الأيديولوجيات أو اختلاف الثقافات ؛ لذا فهي نقطة التقاء لفكرة حضارية معاصرة تدفع ؛ بل وتعضد المعنى الضمني لمفهوم السلام .
من هنا ؛ فإن موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي حين رفض تسمية المدينة باسمه أراه يحمل بعداً ذكياً وسياسياً وشعبياَ لآن المدن التي ترتبط بالرموز الكبرى تبقى أطول عمرا من المدن المرتبطة بالأشخاص ؛ كما أن مسمى كلمة السلام رغم جمالها فقدت مفرداتها بسبب كثرة الاستخدام ؛ بينما ” المدينة المقدسة ” هو اسم يخلق فحواه حالة ذهنية وبصرية وروحية فور سماعه ؛ والأجمل أنه يُعيد لأرض سيناء مرة أخرى مركزاً للمعنى ، لا مجرد هامش جغرافي .
والجدير بالذكر بأنه يحسب لرجل الأعمال إبراهيم العرجاني طرح فكرة المشروع برؤية تتجاوز الاستثمار التقليدي نحو إعادة تشكيل صورة سيناء الحديثة ، لا لاعتبارها أرض مواجهة لحرب بل لاعتبارها أرض للحياة والحب والأمل والمستقبل، وهى فكرة تحمل في جوهرها محاولة لإعادة تقديم سيناء إلى العالم .لا لكونها أرض مصرية على حدود الخريطة بل كمركز روحي وثقافي وإنساني قادر على صناعة معنى جديد للمنطقة بأكملها، معنى بعيدا عن حروب مرت ؛ بل أرض للحكمة والتجلي والسلام ؛ فبعض المدن تبنىَ لكي يسكنها البشر؛ بينما تبنىَ الأخرى ليسكنها الوجدان .
ولعل المدينة المقدسة بسيناء هي واحدة منها ؛ تلك التي تًعيد العلاقة القديمة بين الإنسان والمكان ؛ وبخاصة إن الموقع المختار لهذه المدينة والذي يقدر بنحو مساحة سبعة عشر كيلو مربع؛ وعلى بعد نحو ثمانية كيلو مترات من قرية الجورة بالشيخ زويد وبالتالي ؛ فهي على مقربة من حدود رفح الفلسطينية ؛ مما يمنح المشروع بعدا أعمق من مجرد التنمية ، فهذه ليست حدوداً عادية ، بل تخوم قضية نزفت طويلاً في الضمير العربي وكأن مصر ، عبر هذا المشروع ، لا تبنى مدينة فقط ، بل تبعث رسالة حضارية ؛ مفادها – إن العمران يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية ضد الخراب ، وإن النور قادر على أن يقف في مواجهة الألم . فهده البقعة التي حملت قداسة التاريخ ودفء التجلي ، وملامح الحضارات المتعاقبة تبدو وكأنها خلقت لتكون مدينة تتجاوز حدود الإسمنت والطرقات ؛ نحو معنى أعمق للحياة والانتماء .
إن بناء مدينة جديدة ” المدينة المقدسة ” على أرض سيناء ليست مشروعاً جغرافيا فحسب بل محاولة لصناعة فضاءً يحمل ذاكرة المكان ؛ ويحفظ قدسية الطبيعة ؛ ويؤسس لحوار بين الإنسان والتاريخ ؛ بين الحداثة والنور القديم الذي مازال يسكن سيناء لتبدو.. فكرة سماوية هبطت على الأرض ليصبح الحجر شاهدا على عبور الأنبياء ،وتتحول الرمال إلى ذاكرة حية تحفظ خطى العابرين نحو النور.







