جمال عبد الناصر بين الإنجازات والأخطاء.. كيف غيّرت ثورة 23 يوليو وجه مصر؟
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
لا يزال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارةً للجدل في التاريخ العربي الحديث. فهناك من يراه قائدًا وطنيًا أعاد للمصريين كرامتهم واستقلال قرارهم، بينما يرى آخرون أن فترة حكمه شهدت أخطاءً سياسية واقتصادية أثرت على مستقبل الدولة. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة أن التاريخ لا يُقرأ بالأبيض والأسود، بل بالإنصاف.
جاءت ثورة 23 يوليو 1952 لتُنهي الحكم الملكي وتفتح صفحة جديدة في تاريخ مصر. وكان من أبرز إنجازاتها القضاء على الإقطاع، وإصدار قوانين الإصلاح الزراعي التي منحت آلاف الفلاحين فرصة امتلاك الأرض، إلى جانب مجانية التعليم التي فتحت أبواب الجامعات أمام أبناء الطبقات البسيطة، والتوسع في بناء المصانع والمشروعات القومية، وعلى رأسها السد العالي الذي ظل رمزًا للإرادة المصرية.
كما نجح عبد الناصر في تأميم قناة السويس عام 1956، وهو القرار الذي اعتبره كثيرون إعلانًا لاستقلال القرار الوطني، وتصدت مصر بعده للعدوان الثلاثي، ما رفع مكانتها عربيًا ودوليًا. كذلك أصبح صوتًا بارزًا في دعم حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا والعالم العربي.
لكن، وكما كانت هناك إنجازات، كانت هناك أيضًا أخطاء لا يمكن تجاهلها. فقد أدى تضييق المجال السياسي وإلغاء التعددية الحزبية إلى غياب المنافسة السياسية، كما شهدت تلك الفترة توسعًا في الاعتقالات السياسية وتقييد حرية الصحافة. اقتصاديًا، واجه القطاع العام تحديات كبيرة في الكفاءة والإدارة، وانتهى الأمر بأزمات أثرت على النمو.
وتظل هزيمة يونيو 1967 من أكبر الإخفاقات في عهد عبد الناصر، بعدما فقدت مصر سيناء وتعرض الجيش لخسائر كبيرة. ورغم تحمله المسؤولية وإعلانه التنحي، فإن خروج الملايين إلى الشوارع مطالبين ببقائه عكس حجم شعبيته آنذاك، ليبدأ بعدها إعادة بناء القوات المسلحة، وهو ما مهد لاحقًا لانتصار أكتوبر 1973.
بعد أكثر من سبعين عامًا على ثورة يوليو، يبقى السؤال مطروحًا: هل نُقيّم الزعماء بالعاطفة أم بالنتائج؟ ربما يكون الإنصاف هو الاعتراف بأن عبد الناصر كان قائدًا امتلك مشروعًا وطنيًا طموحًا حقق إنجازات كبيرة، لكنه أيضًا ارتكب أخطاءً كانت لها آثار عميقة.
ويبقى الدرس الأهم أن الأمم تتقدم عندما تحفظ تاريخها كما هو، فتحتفي بإنجازاته، وتتعلّم من أخطائه، لأن قراءة الماضي بموضوعية هي الطريق لبناء مستقبل أفضل.







