استغلال النفوذ… حين يتحول المنصب من أمانة إلى وسيلة للظلم
- من أخطر الأمراض التي قد تصيب أي مجتمع أن يستغل بعض الأشخاص مناصبهم أو نفوذهم أو سلطاتهم في أذية الآخرين والتعدي على حقوقهم
- فالمنصب في الأصل أمانة ومسؤولية، لكنه في يد ضعيف النفس قد يتحول إلى أداة للبطش والتسلط وإهانة الناس
- هناك فرق كبير بين الشخص الذي يستخدم سلطته لخدمة الآخرين، وبين من يستخدمها لإخافتهم أو حرمانهم من حقوقهم أو تحقيق مصالحه الشخصية
- فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إيذاء الناس، وإنما في ا
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
من أخطر الأمراض التي قد تصيب أي مجتمع أن يستغل بعض الأشخاص مناصبهم أو نفوذهم أو سلطاتهم في أذية الآخرين والتعدي على حقوقهم. فالمنصب في الأصل أمانة ومسؤولية، لكنه في يد ضعيف النفس قد يتحول إلى أداة للبطش والتسلط وإهانة الناس.
هناك فرق كبير بين الشخص الذي يستخدم سلطته لخدمة الآخرين، وبين من يستخدمها لإخافتهم أو حرمانهم من حقوقهم أو تحقيق مصالحه الشخصية. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إيذاء الناس، وإنما في القدرة على العدل بينهم.
وللأسف، يظن بعض أصحاب النفوذ أن مناصبهم دائمة، وأن الناس ستظل تخشاهم إلى الأبد، فيتمادون في الظلم والتعسف وإساءة استخدام السلطة. لكن التاريخ مليء بالقصص التي تؤكد أن المناصب تزول، والكراسي تتغير، ولا يبقى إلا السيرة الطيبة أو السمعة السيئة.
وقد حذر الإسلام أشد التحذير من ظلم الناس واستغلال السلطة، فقال النبي ﷺ: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”. فالظالم قد ينجح مؤقتاً في فرض سطوته، لكنه لا يستطيع الهروب من دعوة مظلوم خرجت من قلب مكسور، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
والأشد ألماً أن يستغل البعض نفوذه لإذلال من هم أقل منه مكانة أو مالاً أو سلطة، ناسياً أن الأيام دول، وأن الحياة تدور، وأن الإنسان قد يجد نفسه يوماً في المكان نفسه الذي وضع فيه غيره.
والقوة الحقيقية لا تظهر في الانحياز لصاحب النفوذ أو صاحب الصوت الأعلى، بل في نصرة الضعيف وإنصاف المظلوم. فمن السهل أن تقف بجوار القوي طمعاً أو خوفاً، لكن الشجاعة الحقيقية أن تقول كلمة الحق حين يخشاها الآخرون. فالقيمة الأخلاقية للإنسان لا تُقاس بمدى قربه من أصحاب السلطة، بل بمدى دفاعه عن الحق مهما كانت الظروف.
إن المجتمعات القوية لا تُبنى بالخوف ولا بالمجاملات، وإنما تُبنى بالعدل وتكافؤ الفرص واحترام القانون. وعندما يشعر المواطن أن حقه محفوظ بغض النظر عن مركزه أو وضعه الاجتماعي، يزداد انتماؤه لوطنه وثقته في مؤسساته.
وفي النهاية، تذكر دائماً أن النفوذ الحقيقي ليس أن تجعل الناس تخاف منك، بل أن تجعلهم يحترمونك. وأن المنصب مهما علا فهو مؤقت، أما أثر الظلم في قلوب الناس فقد يبقى سنوات طويلة.
فالقوة ليست في نصرة القوي لأنه قوي، وإنما في نصرة الضعيف لأنه صاحب حق. والقوة ليست في استغلال النفوذ، بل في استخدامه لرفع الظلم ورد الحقوق. أما العدل فهو القوة التي لا تسقط بالتقادم، والرصيد الذي يبقى للإنسان حين يزول كل شيء آخر.







