دعوا مصير العباد إلى رب العباد
- من أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان أن يتحول من ناصحٍ ومذكّر إلى قاضٍ على القلوب، ومن داعٍ إلى الله إلى موزّعٍ لصكوك الجنة والنار
- فكم من الناس اليوم إذا رأوا عاصيًا حكموا عليه بالهلاك، وإذا رأوا مذنبًا أغلقوا في وجهه أبواب الرحمة، وكأنهم اطلعوا على الغيب وعرفوا ما خفي على الخالق سبحانه
- تُروى قصة عن الإمام أبو حنيفة النعمان أنه سُئل عن رجل مات وهو يشرب الخمر، وامرأة أنهت حياتها بعد أن حملت من علاقة محرمة، فقيل له: أه
بقلم الكاتبة شيرين عصام
من أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان أن يتحول من ناصحٍ ومذكّر إلى قاضٍ على القلوب، ومن داعٍ إلى الله إلى موزّعٍ لصكوك الجنة والنار. فكم من الناس اليوم إذا رأوا عاصيًا حكموا عليه بالهلاك، وإذا رأوا مذنبًا أغلقوا في وجهه أبواب الرحمة، وكأنهم اطلعوا على الغيب وعرفوا ما خفي على الخالق سبحانه.
تُروى قصة عن الإمام أبو حنيفة النعمان أنه سُئل عن رجل مات وهو يشرب الخمر، وامرأة أنهت حياتها بعد أن حملت من علاقة محرمة، فقيل له: أهما في الجنة أم في النار؟ فكان جوابه درسًا خالدًا في التواضع أمام حكم الله، إذ ردّ الأمر إلى رب العالمين، واستشهد بكلمات الأنبياء الذين علّموا البشرية أن الحساب لله وحده، وأن رحمته أوسع من تصورات البشر.
إن الإسلام لم يطلب منا أن نبرر الخطأ أو أن نسكت عن المعصية، بل أمرنا أن نميّز بين الفعل وصاحبه؛ فنرفض الذنب، لكننا لا ندّعي معرفة المصير. قد يعصي إنسان اليوم ويتوب غدًا توبةً صادقة تمحو ما سبق، وقد يبدو آخر مستقيمًا أمام الناس بينما تخفي القلوب ما لا يعلمه إلا الله.
كم من شخصٍ ظن الناس أنه بعيد عن الخير ففاجأهم بحسن الخاتمة، وكم من إنسان انشغل بعيوب الآخرين حتى نسي عيوب نفسه. لذلك كان السلف الصالح أكثر الناس خوفًا على أنفسهم وأبعدهم عن الحكم على غيرهم.
لقد أصبح البعض يتعامل مع الدين وكأنه أداة لإدانة الآخرين لا وسيلة لإصلاحهم، فيكثر الحديث عن من يدخل النار، ويقل الحديث عن التوبة والمغفرة والرحمة. بينما القرآن الكريم مليء بآيات الرجاء كما هو مليء بآيات الوعيد، لأن الله يريد من عباده أن يعيشوا بين الخوف والرجاء، لا بين اليأس والقسوة.
ليس المطلوب أن نتخلى عن قيمنا أو أن نساوي بين الطاعة والمعصية، بل المطلوب أن نعرف حدودنا. من حقك أن تقول إن هذا الفعل خطأ، وإن هذا السلوك محرم، لكن ليس من حقك أن تحكم على مصير إنسان عند الله. فهناك فرق كبير بين الحكم على الفعل والحكم على صاحبه.
إن رحمة الله أوسع من أن يحيط بها عقل بشر، وعدله أعظم من أن يقدّره الناس بأهوائهم، ولذلك كان الأدب مع الله يقتضي أن نقول: الله أعلم بعباده، والله أعلم بخواتيمهم، والله أعلم بمن يستحق رحمته أو عقابه.
فلنكفّ عن تتبع مصائر الناس، ولننشغل بمصيرنا نحن. ولنجعل ألسنتنا عامرة بالنصح والدعاء بدلًا من الإدانة والتشهير. فمن كان اليوم مذنبًا قد يصبح غدًا من الصالحين، ومن كان اليوم في غفلة قد تسبقه دمعة توبة إلى رحمة الله.
دعوا مصير العباد إلى رب العباد، فهو وحده مالك الجنة والنار، وهو وحده الذي يعلم السر وأخفى، وهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين.







