ريشة ابنة قنا هيلانة نصري تنسج تفاصيل الزمن الحقيقة ونظرات حية
- دراسات عليا المعهد العالي للنقد الفني
- من قلب صعيد مصر، وتحديداً من قرية بهجورة التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا، تخرج تجربة فنية لافتة لفتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، هيلانة نصري عبد المخلص فنانة شابة اختارت في هذا السن المبكر خوض التحدي الأصعب في عالم الرسم، وهو العودة إلى الواقعية التشريحية في فن البورتريه، مستخدمة خامات الرصاص والألوان ببراعة تفوق سنوات عمرها بمسافات
- في أعمال هيلانة، تبرز قدرة استثنائية
كتب صموئيل نبيل أديب
دراسات عليا المعهد العالي للنقد الفني
من قلب صعيد مصر، وتحديداً من قرية بهجورة التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا، تخرج تجربة فنية لافتة لفتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، هيلانة نصري عبد المخلص فنانة شابة اختارت في هذا السن المبكر خوض التحدي الأصعب في عالم الرسم، وهو العودة إلى الواقعية التشريحية في فن البورتريه، مستخدمة خامات الرصاص والألوان ببراعة تفوق سنوات عمرها بمسافات.
في أعمال هيلانة، تبرز قدرة استثنائية على تطويع الأبعاد والظلال لخلق ما يصفه النقاد بـ “المعادل البصري للملمس”، إذ تتجلى في لوحات الفحم والرصاص محاكاة دقيقة لخشونة وثقل خيوط الصوف، متباينة مع نعومة بشرة الطفلة الباكية في اللوحة. هذا الفصل البصري بين الخامات والملامس داخل العمل الواحد يعكس تمكناً نادراً، بينما تمنح تموجات الشعر والضفائر المنسدلة للبورتريه بعداً ديناميكياً يكسر جمود الرسم التقليدي، وينقل ملامح أهل الجنوب بصدق يمس شغاف القلب.
ولا تتوقف براعة هيلانة عند المحاكاة التقنية، بل تمتد لتجعل من “بؤرة العين” مركز الثقل الدرامي في كل لوحة؛ فهي ليست مجرد تجاويف تشريحية، بل نوافذ تختزل انفعالات البشر. يظهر ذلك بوضوح في النمش العفوي على وجنات الفتاة المصرية، وتفاصيل التجاعيد الغائرة في وجه السيدة المسنة وهي ترتشف شايها بهدوء الصعيد، مما يجعل من لوحاتها تدويناً حياً لتاريخ الناس وبيئتهم.
هذا الشغف الذي تحمله هيلانة ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة بيئة ملهمة؛ حيث ترعرعت وهي تتابع بتركيز ريشة خالها الفنان كرم كامل، الذي يمثل لها القدوة التي تطمح للسير على خطاها ومنافستها في تقديم فن حقيقي. إن هيلانة هنا لا ترسم وجوهاً مصمتة، بل توثق أرواحاً طيبة من نبت الأرض، مما يجعلنا أمام ميلاد فنانة واعدة تعيد صياغة فن البورتريه بروح تجمع بين أصالة الهوية والتمكن المعاصر.
إن هذه الموهبة الاستثنائية التي نبتت في قلب الصعيد تستحق منا أكثر من الإعجاب؛ لذا نوجه دعوة بسيطة ومحبة للمسؤولين عن رعاية الفنون في نجع حمادي وقنا، أن يفتحوا أمام هيلانة أبواب المعارض والورش الفنية، فالمبدع في هذا العمر يحتاج فقط إلى من يؤمن به ويضع قدمه على أول طريق النجومية ليحلق عالياً.







