30 يونيو مشروع تاريخي بين: الثمن المدفوع والقيمة المرجوة
- ثورة 30 يونيو ليست مجرد ثورة سياسية عبرت في زمن مضطرب منذ ثلاثة عشر عاماً ، بل هي مشروعاً تاريخياً واسعاً اختار فيه المجتمع مساراً بعينه ، وقَبِلَ أن يتحملْ كلفته أملاً في استعادة توازن الدولة واستقرارها وقدرتها على العبور نحو المستقبل
- لكن الزمن بخلاف السياسة ، لا يكتفي بسرد الوقائع ، بل يُعيد مُساءلتها
- فكلما ابتعدت اللحظة عن تاريخها الأول، اقتربت من اختبارها
بقلم / الفنانة والكاتبة
د. أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي
ثورة 30 يونيو ليست مجرد ثورة سياسية عبرت في زمن مضطرب منذ ثلاثة عشر عاماً ، بل هي مشروعاً تاريخياً واسعاً اختار فيه المجتمع مساراً بعينه ، وقَبِلَ أن يتحملْ كلفته أملاً في استعادة توازن الدولة واستقرارها وقدرتها على العبور نحو المستقبل .. لكن الزمن بخلاف السياسة ، لا يكتفي بسرد الوقائع ، بل يُعيد مُساءلتها ؛ فكلما ابتعدت اللحظة عن تاريخها الأول، اقتربت من اختبارها الحقيقي .. وهنا لا يعود السؤال .؟ لماذا اختارت الأمم ما اختارته..؟ بل ماذا جنت من هذا الاختيار.؟، وما هي المسافة الفاصلة بين ما دفعته من أثمان وما بلغته من قيم في المقابل .؟
من ثم تنشأ الإشكالية التي تستحق التأمل بعيداً عن الاستقطاب والاصطفاف : هل نجحت السنوات الماضية في تحويل الثمن المدفوع إلى قيمة محسوسة في الوعي الجمعي للشعب المصري..؟ أم أن اتساع الفجوة بين كلمة الواقع وتوقعات الناس جعل سؤال القيمة أكثر الحاحاً من أي وقت مضى.؟ وهل التاريخ لا يحاكم لحظة الاختيار.! بقدر ما يحاكم حصيلتها الإنسانية بعد مرور الزمن.؟
ولعل القيمة الحقيقية لأى مشروع تاريخي لا تكمن فقط في قدرته على تجاوز المخاطر ، أو اجتياز الأزمات، بل في قدرته على أن يظل قادرا على تجديد الثقة بين الدولة والإنسان ؛ وربما لهذا لا يكون السؤال بعد كل هذه السنوات : ماذا حدث في 30يونيو .؟ بل ماذا بقي منها في وجدان الناس ..؟ فالمشروعات التاريخية لا تعيش بالأحداث التي صنعتها، وإنما بالأمل الذي تتركه خلفها ، وإذا كان من حق الأوطان أن تفتخر بما أنجزتها ،فمن حق الإنسان أيضاً أن يسأل عن نصيبه من هذا الإنجاز .. وبين فخر الدولة بما يشيد ؛ وانتظار المواطن لما وعد به ؛ تستمر رحلة البحث عن ذلك التوازن الصعب بين ضرورات البقاء وحق الناس في الحصاد ؛ هنا فقط ؛ تقاس القيمة الحقيقية لأي مشروع تاريخي ؛
وذلك أن اللحظات التاريخية الكبرى لا تقاس بحجم الحشود التي صنعتها ، ولا بعدد السنوات التي تفصلنها عنها ، وإنما بما تتركه من أثر في مسار الدولة ووعي المجتمع ، ومن هذا المنظور تبدو 30 يونيو أكثر من مجرد حدث سياسي ، بل إنها لحظة أعادت طرح سؤال الدولة المصرية في زمن كانت المنطقة كلها تُعيد فيه رسم خرائطها السياسية والاجتماعية .
لقد جاءت تلك اللحظة في سياق مضطرب ، حيث بدأ أن الصراع لم يعد بين حكومة ومعارضة ، بل بين تصورات مختلفة لمفهوم الدولة ذاته ، وكان على المجتمع أنداك أن يختار بين مسارات متعارضة ، فاختار الطريق الذى إرتاه أكثر قدرة على الحفاظ على تماسك الدولة المصرية ، ومؤسساتها ووحدة نسيجها الوطني .
لكن المشاريع التاريخية لا تتحرك بلا كلفة ، فكما دفعت الدول الكبرى أثمان تحولاتها ، دفعت مصر بدورها أثماناً اقتصادية واجتماعية ثقيلة خلال السنوات التالية ، وبالتبعية تحمل المواطن أعباء الإصلاح ،كما واجه المجتمع بأكمله تحديات معقدة فرضتها الظروف الداخلية والإقليمية والدولية المتشابكة، هذا ولم يكن الثمن المدفوع مجرد أرقام في الموازنات أو مؤشرات اقتصادية فحسب بل كان جزءاً من الحياة اليومية المعيشية بكل تفاصيلها ..
فبعد سنوات من تثبيت أركان الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات ، يصبح الرهان الأكبر هو بناء الإنسان المصري ، تعليماً وثقافياً ووعياً ومشاركة في المجال العام ؛ فالتنمية التي لا تصل إلى العقل البشري تظل ناقصة ، والاستقرار الذي لا ينعكس على حياة الناس يظل مشروعاً لم يكتمل بعد..
فلقد أثبتت التجارب أن حماية الدولة ضرورة ، ولكن بناء المجتمع هو يظل هو الغاية ، وإذا كانت 30 يونيو قد نجحت في عبور لحظة الخطر ، فإن القيمة المرجوة منها تظل مرتبطة بقدرتها على فتح آفاق أوسع للعدالة الاجتماعية ، وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج ، وإطلاق طاقات الإبداع لدى الأجيال الجديدة .. ولهذا لا ينبغي النظر إلى 30 يونيو باعتبارها ذكرى تستعاد كل عام ، بل باعتبارها مشروعاً تاريخياً مفتوحاً على المستقبل ، فالأحداث الكبرى لا تعيش في الماضي ، وإنما تستمد معناها من قدرتها المستمرة على إنتاج واقع أفضل ..
و يبقى المعيار الأهم لأي مشروع وطني هو الإنسان ؛ لأنه الغاية التي من أجلها تُحمىَ الأوطان ، وتبنى الدول، وتخاض معارك التاريخ..







