⚡ عاجل
مقالات

رِسَالَةٌ مَنْسِيَّةٌ.. بقلم الأديب المصري د. طارق رضوان جمعة

عند الغروب، حين يخلع النهار آخر أزراره الذهبية، ويعلّق الشمس على مشجب الغياب، أجلس إلى مكتبي، فأجد القلم يحدّق فيَّ كأنه ينتظر اعترافًا تأخرتُ في الإدلاء به.
الليل صامت، والساعة تمشي إلى الخلف، وأفكاري تتزاحم عند باب الذاكرة، حتى نهض اسمٌ من بين الحروف، وراح يطرق جدران قلبي.
لم أكتبه؛ خشيت أن يتحول إلى حبر، ولم أنطقه؛ خفت أن يسمعه الغياب فيسرقه مني.
بعض النساء لا تدخل حياتنا من أبوابها؛ إنهن يتسللن من شقوق الروح، ثم يوسّعن النوافذ حتى يصبح القلب مدينةً لا تعرف حدودها.
تاهت عيناي في بحار عينيها، ولم يكن الغرق حادثًا طارئًا؛ لقد ألقيتُ بنفسي في الموج، بعدما رأيتُ الشاطئ ينسحب من تحتي خجلًا من جمالهما.
في عينيها خرائط لم ترسمها الجغرافيا، ونجومٌ تخلّت عن السماء لتقيم في حدقتيها، وبحّارون أضاعوا سفنهم لأنهم ظنوا أن الوصول إلى مقلتيها نهاية الرحلة.
أواهُ من رمشٍ يمرُّ على جفنيها، فتتساقط من قلبي مدنٌ كاملة!
ومن نظرةٍ لا تستغرق ثانيةً، لكنها تجعل الزمن يقف على قدمٍ واحدة، وينسى إلى أين كان ذاهبًا.
لو أن البحر سألني عن سر موجه، لأشرت إلى عينيها؛ ولو أن القمر شكا نقص ضوئه، لأخبرته أن بعض الجمال لا يترك للسماء ما تتباهى به.
أما الورد، فقد رأيته ذات صباحٍ ينحني أمامها، لا تحيةً لها، بل اعتذارًا عن كل العطور التي ادّعى امتلاكها.
وسألت نفسي: من أي الكتب جاءت هذه المرأة بكل هذا الوعي؟ وأيُّ مكتبةٍ خبأت في صفحاتها سرَّ قدرتها على قراءة ما وراء الكلام؟
فتحتُ دفاتر الحياة، فلم أجد شهاداتٍ ولا أختامًا، بل وجدتُ صفحاتٍ مثقوبةً بطعناتٍ قديمة.
لقد قرأت خمسين طعنة، وسبعين خذلانًا، وعاشت من الأزمات ما يكفي ليشيخ عمرٌ كامل في ليلة واحدة.
رأت الغدر في عيون الأقارب، فوضعت للحذر مقعدًا عند باب قلبها. ورأت القسوة في عيون من أحبت، فاستأجرت للصمت غرفةً لا تطل على أحد. وذاقت النكران من أقرب الأصدقاء، فتعلمت أن بعض الأيدي التي تلوّح لنا تودّعنا وهي تبتسم.
دفنت أحبةً، فعرفت أن المقابر لا تحتفظ بالموتى وحدهم؛ إنها تدفن معهم كلماتٍ لم تُقَل، وأحضانًا تأخرت، واعتذاراتٍ ظلت تبحث عن أصحابها حتى شاخت.
ومع ذلك لم تتحول إلى حجر.
كان يمكن للخيبات أن تصنع منها سكينًا، لكنها اختارت أن تظل وردةً تعرف كيف تحمي أشواكها دون أن تجرح كل عابر.
وهنا توقفتُ طويلًا أمام سرها؛ فالجمال الذي لا تهزمه القسوة أعمق من جمالٍ لم تختبره الحياة.
إنها امرأةٌ خرجت من معاركها وفي يدها قلبها، لا راية انتصارها.
هي امرأةٌ تتقن مواقيت الصمت، حتى إن الساعات تضبط عقاربها على إيقاع سكوتها، وتحترف الكلام، حتى إن الكلمات تتزاحم على شفتيها طالبةً الإذن بالرحيل.
تسمع بقلبها، وتتحدث بعينيها، وتجيد فن المسافات؛ فإذا اقتربت حسبتَ أن العالم كله قد ضاق ليجمعكما، وإذا ابتعدت شعرتَ أن المسافة تمددت حتى صارت مجرةً لا تعرف طريق العودة.
تبكي وحيدةً أمام المرآة، فتخبئ المرآة وجهها كي لا تفضحها، ثم تخرج إلى الناس بابتسامةٍ تجعل الحزن يشك في ذاكرته.
تخفي خلف ابتسامتها مقبرةً من الحكايات، وفي صوتها دفء بيتٍ ظللت أبحث عنه طوال عمري.
غيابها كالحضور؛ كلاهما يربكني. إذا حضرتُ أمامها نسيتُ اللغة، وإذا غابت عادت إليَّ الكلمات كلها، لكنها تأتي محمّلةً بالندم.
إنها ليست امرأةً تمر في الحياة؛ إنها حياةٌ كاملة تمر في امرأة، ثم تترك خلفها رجلًا لا يعرف كيف يعود إلى حجمه الطبيعي بعد أن رأى الكون في عينيها.
وما أرهقني فيها أنها لا تعرف ماذا تفعل بي؛ لا تدري أن ابتسامةً صغيرةً منها تستطيع إعادة ترتيب الفصول، وأن كلمةً عابرةً قد تجعل شجرةً يابسةً في صدري تورق فجأة.
كم تمنيت لو أستطيع أن أخلع عينيَّ وأضعهما بين يديها، لترى نفسها كما أراها؛ لترى أن وجهها ليس ملامحَ فحسب، بل شرفةٌ تطل منها روحي على الحياة، وأن صوتها ليس ذبذباتٍ عابرة، بل يدٌ خفية تربت على كتف العالم حين يتعب.
أرهقني وجودها في مخيلتي؛ يحييني مرةً، ويقتلني ألف مرة.
لقد أصبحت الذاكرة مدينةً تحمل ملامحها، وصار لكل شارعٍ فيها نافذةٌ تطل عليها، حتى إنني إذا نسيتُ الطريق، دلّتني رائحة الحنين.
وتعاتبني السنوات التي مضت دونها، فتقف أمامي كقضاةٍ شاخت وجوههم من الانتظار.
أأقول لها إنني محوت تلك السنوات من سجلات عمري، وإن لي يوم ميلادٍ جديدًا بدأ حين عرفتها؟
أم أخبرها أنني كنت أبحث عنها في وجوه النساء، وفي الكتب، وفي المدن، وفي الطرق التي لم أكن أعرف إلى أين تقودني، حتى اكتشفت أنني لم أكن تائهًا في المكان، بل كنت تائهًا إليها؟
كنت رجلًا بلا عنوان، حتى صارت هي جهة قلبي، وكنت أملك من العمر سنوات، لكنني لم أكن أملك سببًا يجعلني أتشبث بها، حتى جاءت، فأصبح للصباح معنى، وللمساء نافذة، وللقهوة فنجانٌ ثانٍ لا يشربه أحد.
أنا مسافرٌ فيها، وقد مزقت تذكرة العودة عمدًا؛ فكيف يعود المرء من مكانٍ اكتشف فيه نفسه؟
لقد صرت أعيش على ضفتين؛ واحدةٌ يراها الناس، أمشي فيها وأتحدث وأضحك، وأخرى لا يعرفها أحد، أقيم فيها معها، وأتقاسم وإياها تفاصيل لم تحدث إلا في قلبي.
إنني لا أريد منها أن تكون أجمل نساء الأرض؛ فالجمال ليس مسابقةً بين الوجوه، ولا ترتيبًا تتنافس فيه العيون.
أريدها هي؛ بتناقضاتها، وعنادهـا، وهدوئها، وغضبها، وبكل تلك التفاصيل التي لا يراها أحدٌ سواي.
لا أحب صورتها التي يراها الناس، بل أحب تلك المرأة التي تسكن خلف صورتها؛ تلك التي تتعب ولا تشتكي، وتشتاق ولا تعترف، وتحتاج إلى حضنٍ آمن، ثم تتظاهر بأنها لا تحتاج إلى أحد.
أحب فيها قوتها التي تخفي ضعفها، وضعفها الذي لا يراه إلا من أحبها، وأحب حتى صمتها حين تعجز عن شرح ما لا تستطيع الكلمات حمله.
يا لغرابة الحب!
قد يرى الناس امرأةً عاديةً تمضي في الطريق، بينما أرى أنا في خطوتها اختلالًا لموازين الأرض، وفي التفاتتها عيدًا، وفي ابتسامتها سببًا كافيًا لأن يؤجل حزنه إلى أجلٍ غير مسمى.
أحيانًا أشعر أنني لا أنظر إليها بعينيَّ، بل بذاكرةٍ سبقت ميلادي، وكأنني عرفتها في حياةٍ لم أعشها، ثم جئت إلى هذه الحياة متأخرًا أبحث عن بقية الحكاية.
هي معي حيث أكون.
تشاركني قهوتي الصباحية، فتجلس صورتها على حافة الفنجان، وأراها في البخار وهو يرسم ملامحها ثم يمحوها كلما حاولت الإمساك بها.
تخرج معي في زحام الطرق، وتسبقني إلى الأماكن، حتى إن ظلي أحيانًا يلتفت خلفي ليتأكد أنها لم تتأخر.
إذا كتبتُ وجدتها بين السطور، وإذا صمتُّ سمعت صوتها في داخلي، وإذا اختليت بنفسي كانت أول الحاضرين.
أحيانًا أعدّ لها مقعدًا أمامي، وأتحدث إليها طويلًا، ثم أنتبه إلى أن القهوة قد بردت، وأن الليل سرق من النافذة آخر نجومه، وأنني ما زلت أبتسم لامرأةٍ لم تكن هنا.
أهذا جنون؟
ربما…
لكنني اكتشفت أن للإنسان حياةً يعيشها أمام الناس، وحياةً أخرى لا يعرفها أحد؛ تسكنها الوجوه التي أحبها، والأحلام التي لم تتحقق، والأمنيات التي لم تجد طريقها إلى الواقع.
وفي حياتي الأخرى، ليست ضيفةً؛ إنها صاحبة البيت، وسيدة التفاصيل، والوجه الذي لا يغادر الذاكرة مهما ازدحمت الوجوه.
وهل تعلمين ما الذي أتمناه منكِ؟
لا أريد وعدًا، ولا عهدًا، ولا أن تغيّري من أجلي مسار حياتك.
أريد فقط أن تعرفي أن هناك قلبًا، كلما مرَّ طيفك به، خفَّت وطأة العالم على كتفيه.
أن تعرفي أن امرأةً مثلك لا تحتاج إلى تاجٍ كي تكون ملكة، ولا إلى مرآةٍ كي تعرف جمالها؛ فالمرآة نفسها قد تحتاج أحيانًا إلى من يطمئنها حين تقف أمامك.
وأريدك أن تتذكري، حين تتعبين من العالم، أن هناك من يرى خلف ابتسامتك دمعتك، وخلف صمتك صرختك، وخلف قوتك طفلةً تستحق أن تُدلَّل، لا أن تُطالَب بالمزيد من الصبر.
يا امرأةً لم أجد في اللغة ما يكفي لوصفها…
لو كان لي أن أكتبك في قصيدة، لما انتهيت؛ فكلما وضعت نقطةً في آخر سطر، نبتت من النقطة نافذةٌ تطل على عينيك.
ولو كان لي أن أهديك شيئًا يليق بك، لأهديتك عينَيَّ لترَي بهما كيف تبدين في قلبي؛ ولأهديتك قلبي لتسمعي كيف ينطق اسمك دون صوت.
فما بيني وبينك ليس حكاية رجلٍ أحب امرأةً فحسب؛ إنها حكاية رجلٍ اكتشف متأخرًا أن بعض النساء لا يأتين إلى حياتنا ليُضفن إليها شخصًا، بل ليُعدن إليها معناها.
وإذا سألتني يومًا: ماذا أكون في حياتك؟
سأقول:
أنتِ القصيدة التي أخشى أن أكتب آخرها، لأنني أعلم أنني سأفقدك مرةً أخرى بين نقطتين.
وأنتِ الرسالة التي نسيتها الأيام في صندوق القلب، فظللت أعيش عمرًا كاملًا دون أن أعرف إلى مَن أكتب.
حتى وجدتك…
فعرفت أخيرًا أن بعض الرسائل لا تبحث عن عنوانٍ لتصل إليه، بل عن روحٍ لتسكنها.
ليس كل ما نحبّه نمتلكه، وليس كل من يسكن القلب يسكن البيت؛ لكن بعض الأرواح إذا التقت، لم تعد المسافات قادرةً على إثبات أنها بعيدة.
وهذه رسالتي إليكِ…
ربما لم تصلكِ يومًا، وربما لن تقرئيها أبدًا، لكنني كتبتها كي لا يظل قلبي وحده يعرف كم أنتِ جميلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى