⚡ عاجل
مقالات

حين ترتدي الأم درع الحياة.. بقلم زينب كاظم

حين يرانا الناس أنا وابنتي معاً، يتعجبون من تفاصيل الحكاية، وترتسم على وجوههم دهشة مألوفة تتكرر أينما ذهبنا أووو.. كأنها أختكِ وليس ابنتكِ وكأنما انصهرت ملامحنا وعمرينا معا ، لا يدرك هؤلاء الناظرون شيئاً خلف هذا الإشراق الظاهري، لا يعلمون كم هي الضريبة الباهظة التي دفعتها والمعارك الكبرى التي خضتها، ولا حجم الأثمان الغالية التي سددتها من دمع عيني، وسهر ليلي، وعصارة روحي.

قبل أكثر من عقدين من الزمن، كنتُ قد فقدتُ أبي للتو، جريحة الفؤاد، حديثة التخرج، وحاملاً بابنتي وحدي في مدينة كربلاء المقدسة حيث أهلِي. دخلتُ مستشفى العباس (عليه السلام) الأهلي لا تظهر عليَّ ملامح الخوف من الولادة، بل كنتُ مستقتلةً كمن ستدخل معركة طاحنة بمفردها، وواجبي الأوحد أن أخرج منها منتصرة. دخلتُ المستشفى تلك الفتاة القوية حديثة التخرج، وخرجتُ منها برتبة (أم)، لأصير منذ تلك اللحظة ألقب (بـأم شمس).
في بداياتي، كنتُ ألمس كفي طفلتي مراراً وتكراراً لأتأكد أنها إنسانة وليست دمية. وبحكم طبعي الذي يخشى على ممتلكاته، كانت شمس في حينها أغلى ممتلكاتي وأثمنها، لأنها أصبحت واقعاً حياً ينبض، ولم تكن مجرد لعبة. كنتُ أخاف عليها من نسمة الهواء، من المرض والسخونة، بل كنتُ أخاف عليها حتى من أن يلمسها أو يقبلها أحد.

وما إن وضعتْ خطواتها الأولى في المدرسة، حتى بدأت معركة جديدة من نوعها، فقد عانيتُ من غيرة من حولنا، بل ومن محاولات خبيثة لأذيتها نكايةً بي. كانوا يدفعون أولادهم لضربها، وكنتُ أركض، وأتألم، وأتشاجر، وأدافع دفاعاً مريراً مستميتاً لا يلين. كنتُ أسهر طوال الليل إن دمعتْ عينها أو مرضتْ، وصارت دراستها ونجاحها هاجسي الأكبر، كنتُ ألخص مواد الدراسة الخاصة بها واحفظها، وأدرسها وأتعب كثيرا، ولا أنام أيام امتحانات البكالوريا، حتى لا أضع عليها أي عبء بيتي يثقل كاهلها.

اذ كنتُ أرهق نفسي في إدارة البيت، خصوصاً بعد أن رزقني الله بإخوة لها، فلم أتعبها قط، ولم ألقِ عليها يوماً حملاً أو ثقلاً، كنتُ دوماً أقاتل الحياة من جهة، وأنظف بيتي وأطبخ ألذ الأطباق، واملأ بيتي برائحة الدفء من جهة أخرى. فالطفل في فكرتي وقلبي هو هدية وعطية إلهية مقدسة يجب أن نرعاها، لا أن ننجب أولاداً يحملون ملامحنا ودماءنا ثم نتركهم في منتصف الطريق يصارعون وحشة الحياة وحدهم.

ولم أكن في رحلة تربيتهم أقاتل بالجهد وحده، بل كنتُ أسلّح طريقي بنقاء السريرة الخالصة،فكنتُ أدعو لأولاد الناس من كل قلبي، ولا أتمنى شيئاً سلبياً يحدث لأحد أبداً، خشية أن يكون لذلك مردود سلبي على أولادي، وكنتُ كلما عملتُ عملاً حسناً أنوي ثوابه بنية أن يحفظهم الله لي ويصونهم من كل سوء.

واليوم..ها هي ابنتي تتخرج (مدرسةً وتربويةً)، محبة للغة العربية كما علمتها دوماً، تماماً كما زرعتُ فيها العفة، والأناقة الفكرية قبل الأناقة المادية. حين يرانا الناس معاً اليوم، لا يعرفون كم دفعتُ من الدموع، والصبر، والألم من أجلها ومن أجل إخوتها. لقد كنتُ لهم راهبةً في محرابهم، لا صديقة ولا قريبة لي ، حتى إنني لم أكن أذهب بشكل مستمر إلى أهلي كونهم في مدينة أخرى.

واليوم، إذ تقف شمس في قمة عطائها، أشعر أن كل قطرة تعب استُبدلت بنور.. وأنا راضية كل الرضا عن ثمن المعركة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى