عندي قناعة.. بقلم سارة الأشموني
- أنا عندي قناعة يمكن ناس كتير تختلف معايا فيها: تضحية الأب، لما يكون أبًا حقيقيًا، أعظم من تضحية الأم بمليون مرة
- لكن لأن الأم، في أغلب الأحيان، ما دخلتش الأمومة وهي تملك رفاهية الاختيار أصلًا
- الطفل كان بداخلها تسعة أشهر، كان جزءًا من دمها، من جسدها، من أنفاسها، عاش قلبه تحت قلبها، وأكل من جسدها، ونما على حساب صحتها وراحتها، وبعد ما خرج منها ما خرجش من حياتها…
- خرج من جسدها بس، بقى أهم عضو من أعضاء جسمها، انفصل عن
أنا عندي قناعة يمكن ناس كتير تختلف معايا فيها: تضحية الأب، لما يكون أبًا حقيقيًا، أعظم من تضحية الأم بمليون مرة. مش لأن الأم بتضحي أقل… بالعكس. لكن لأن الأم، في أغلب الأحيان، ما دخلتش الأمومة وهي تملك رفاهية الاختيار أصلًا. الطفل كان بداخلها تسعة أشهر، كان جزءًا من دمها، من جسدها، من أنفاسها، عاش قلبه تحت قلبها، وأكل من جسدها، ونما على حساب صحتها وراحتها، وبعد ما خرج منها ما خرجش من حياتها…
خرج من جسدها بس، بقى أهم عضو من أعضاء جسمها، انفصل عنها في المكان، وبقى يمشي على الأرض، لكن فضل جزءًا منها في كل معنى لا يقدر العقل يشرحه. الأم لا تحتاج أن تتعلم كيف تحب ابنها، في أغلب الأحيان الحب سبقها قبل ما تراه حتى. لكن الأبوة مختلفة. الرجل لا يحمل ابنه في جسده، ولا يعيش ذلك الاتصال الجسدي والنفسي الذي يجعل الأم تشعر أن طفلها جزء منها، وعشان كده أنا شايفة إن أعظم ما في الأبوة مش إن الرجل يحب أولاده…
أعظم ما فيها إنه يختارهم. يختار إنه يفضل موجود وهو قادر يمشي، يختار الحب وهو قادر يختار نفسه، ويختار التضحية وهو عارف بالضبط هو بيضحي بإيه. والحقيقة إن الأبوة مش صفة يكتسبها الرجل لمجرد إنه أنجب، مش كل رجل قادر يبقى أب. ودي مش مسألة فلوس ولا وظيفة ولا مستوى اجتماعي، فيه رجالة عندهم فلوس وصحة ونجاح وحياة اجتماعية مريحة جدًا وكل الظروف مهيأة لهم، ومع ذلك فكرة الزواج نفسها بتخوفهم وفكرة إن طفل يبقى مسؤوليتهم بتفزعهم، لأن امتلاك الإمكانيات شيء وامتلاك القدرة على حمل المسؤولية شيء آخر تمامًا. الأبوة محتاجة رجل قوي من الداخل، رجل يقدر يربط حريته بمسؤوليته ويفهم إن وجود طفل في حياته معناه إن قراراته من النهارده مش تخصه وحده، وعشان كده أنا شايفة إن الأبوة الحقيقية صفة لا يقدر عليها إلا أقوى الرجال وأعتاهم، مش الأقوى جسديًا ولا الأغنى ولا صاحب النفوذ، لكن الرجل اللي عنده القوة إنه يتحمل ويستمر ويؤثر أولاده على نفسه من غير ما يشعر إن ده انتقاص من رجولته، وهنا بالضبط بيظهر معدن الرجل.
مش كل اللي بيقدر يخرج بيخرج، فيه راجل ممكن تكون قدامه حياة أسهل وراحة أكتر وعلاقة جديدة خالية من المسؤوليات، أو حتى يكون تعِب من الخلافات مع أم أولاده، ومع ذلك يقرر إنه يصلح ويستحمل ويفضل موجود، لأن فيه أطفال مالهمش ذنب في صعوبة الحياة، وعشان كده الرجالة اللي بيكملوا الطريق بأسرتهم لحد ما يعدّوا بيها لبر الأمان قليلين جدًا ونادرين جدًا.
والأجمل إن الراجل اللي يقدر يعمل ده غالبًا ما اتعلمش الأبوة من الكتب، هو شافها. شاف أبوه بيتعب وما يهربش، يختلف وما يهدمش، ويحط أسرته في حساباته حتى لما يكون الطريق صعب، فكبر وهو فاهم إن الرجولة مش إنك تقدر تمشي…
الرجولة إنك تقدر تمشي ومع ذلك تختار إنك تفضل. وعشان كده، لما أقول إن تضحية الأب أعظم مليون مرة، أنا مش بقارن ألم الأب بألم الأم، أنا بتكلم عن قيمة الاختيار.
الأمومة تبدأ غالبًا بغريزة لا تملك الأم تجاهها كثيرًا من الاختيار، أما الأبوة الحقيقية فتبدأ بقرار، قرار إنك تختار أولادك وتفضل تختارهم كل يوم حتى لما يكون اختيارهم هو أصعب اختيار ممكن تاخده.
وده الفرق بين رجل أنجب أطفالًا… ورجل اختار أن يكون أبًا. وده هو المعنى الحقيقي لـ: راجل من ضهر راجل. سلامًا لأرواح آباءٍ عاشوا وماتوا رجالًا في السماء، وسلامًا لمن سيظل أبناؤهم يتذكرونهم ويطلبون لهم الرحمة، ويحملون أسماءهم في الدعاء كما حملوهم هم في الحياة.







