الطبيب البيطري ليس بعيدًا عن الطب البشري
- في الوقت الذي تعاني فيه المنظومة الصحية المصرية من نقص في أعداد الأطباء البشريين، ظهرت فكرة الاستعانة بالأطباء البيطريين بعد تأهيلهم ودراسة مواد إضافية، لسد جانب من العجز، خصوصًا في المناطق التي تعاني نقصًا في الكوادر الطبية
- الفكرة أثارت جدلًا واسعًا، وانقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، لكن بعيدًا عن السخرية أو الرفض المسبق، هناك سؤال يستحق أن يُطرح بجدية:
- هل الطبيب البيطري بعيد بالفعل عن العلوم الطبية التي ي
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في الوقت الذي تعاني فيه المنظومة الصحية المصرية من نقص في أعداد الأطباء البشريين، ظهرت فكرة الاستعانة بالأطباء البيطريين بعد تأهيلهم ودراسة مواد إضافية، لسد جانب من العجز، خصوصًا في المناطق التي تعاني نقصًا في الكوادر الطبية.
الفكرة أثارت جدلًا واسعًا، وانقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، لكن بعيدًا عن السخرية أو الرفض المسبق، هناك سؤال يستحق أن يُطرح بجدية:
هل الطبيب البيطري بعيد بالفعل عن العلوم الطبية التي يقوم عليها الطب البشري؟
الإجابة العلمية تقول: هناك مساحة كبيرة من العلوم الأساسية المشتركة، لكن هناك أيضًا اختلافات جوهرية في التدريب السريري والتخصص وطبيعة الممارسة.
فالطالب في كلية الطب البيطري لا يدرس مجرد «طب للحيوانات» بالمعنى الضيق الذي يتخيله البعض، وإنما يدرس علومًا أساسية وطبية متعددة، من بينها التشريح، وعلم الأجنة، والفسيولوجيا، والهستولوجيا، والكيمياء الحيوية، والباثولوجيا، والأدوية، والميكروبيولوجي وغيرها.
بل إن أقسام التشريح في كليات الطب البيطري تتضمن التشريح العام وعلم الأجنة والتشريح المقارن والتشريح التطبيقي، وهو ما تؤكده كلية الطب البيطري بجامعة أسيوط.
والأهم.. الطبيب البيطري يدرس الإنسان أيضًا من زاوية مختلفة
هناك مجال بالغ الأهمية في الطب البيطري وهو الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
وهذه ليست مادة هامشية، بل تخصص قائم بذاته؛ فكلية الطب البيطري بجامعة جنوب الوادي توضح أن هذا المجال يهتم بالأمراض التي يمكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان والعكس، وكيفية تشخيصها والوقاية منها والحد من انتشارها.
وهنا تظهر أهمية الطبيب البيطري في منظومة الصحة العامة؛ لأن صحة الإنسان لا يمكن فصلها تمامًا عن صحة الحيوان والغذاء والبيئة.
لكن هل التشابه يعني أن البيطري يصبح طبيبًا بشريًا؟
بالتأكيد لا.
وهذه نقطة يجب ألا نخاف من قولها.
الطبيب البيطري مؤهل لممارسة الطب البيطري، والطبيب البشري مؤهل لممارسة الطب البشري، ولكل منهما تدريب سريري وتخصصات ومسؤوليات مهنية مختلفة.
ولهذا فإن تحويل طبيب بيطري إلى طبيب بشري لا يمكن أن يكون بمجرد دورة أو بضعة أشهر، وإنما إذا أرادت الدولة بحث الفكرة أصلًا، فلا بد أن يكون ذلك من خلال برنامج أكاديمي رسمي طويل، واختبارات صارمة، وتدريب سريري حقيقي، وترخيص واضح.
وهنا تحديدًا يمكن أن يتحول النقاش من «هل البيطري يصلح أم لا؟» إلى سؤال أكثر عقلانية:
هل يمكن الاستفادة من قاعدة الأطباء البيطريين الموجودة بالفعل بعد تأهيل أكاديمي حقيقي لسد جزء من احتياجات القطاع الصحي؟
لماذا نرفض الفكرة قبل أن ندرسها؟
المشكلة في مصر أننا كثيرًا ما ننتقل من طرف إلى طرف:
إما أن نقول إن الطبيب البيطري يستطيع أن يحل محل الطبيب البشري فورًا، وهذا غير صحيح.
وإما أن نقول إن الطبيب البيطري لا علاقة له بالطب البشري، وهذا أيضًا تبسيط غير دقيق.
الحقيقة تقع في المنتصف.
هناك علوم مشتركة قوية، وهناك اختلافات حقيقية تحتاج إلى استكمال وتدريب، وبالتالي فإن الفيصل يجب أن يكون العلم والامتحان والكفاءة والترخيص، وليس الانطباعات أو السخرية من الفكرة.
والأزمة الحقيقية أكبر من البيطري والبشري
إذا كان لدينا نقص في الأطباء البشريين بسبب الهجرة أو ضعف الاحتفاظ بالكفاءات، فإن الحل الأساسي يجب أن يكون معالجة أسباب خروج الأطباء وتحسين بيئة العمل.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نترك الطبيب البيطري نفسه بلا استفادة حقيقية من إمكاناته.
فالطبيب البيطري يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في سلامة الغذاء، ومكافحة الأمراض المشتركة، والصحة العامة، والثروة الحيوانية، والرقابة على المنتجات الحيوانية، وهي مجالات تمس صحة الإنسان بصورة مباشرة.
المصري اليوم
لماذا لا نفتح الباب أمام دراسة علمية حقيقية؟
بدلًا من إصدار الأحكام، يمكن تشكيل لجنة علمية تضم أساتذة من الطب البشري والطب البيطري والجهات الصحية والتعليمية والنقابات المختصة.
تدرس المناهج بدقة.
تحدد المواد المشتركة.
تحدد الفجوات العلمية.
وتضع برنامجًا أكاديميًا حقيقيًا لمن تنطبق عليه الشروط.
ثم يخضع من يريد الانتقال إلى المجال البشري لامتحانات وتدريب وترخيص، ولا يحصل على حق ممارسة الطب إلا بعد اجتياز كل المتطلبات التي تضمن سلامة المريض.
فالمريض المصري ليس حقلًا للتجارب، وفي الوقت نفسه الكفاءة العلمية الموجودة في أطباء مصر البيطريين لا يجب أن تُهدر.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الصحيح ليس:
«هل الطبيب البيطري يمكن أن يصبح طبيبًا بشريًا؟»
بل:
«كيف نستفيد من كل طبيب مصري مؤهل، ونضع كل كفاءة في المكان الذي تستطيع أن تقدم فيه أكبر خدمة للمجتمع، دون أن نُخل بمعايير سلامة المرضى؟»
*الطب علم.. والكفاءة تُثبت بالعلم والامتحان والممارسة، لا بالمسميات وحدها.*







