الرقص بعد النهاية… هل انتهت الحكاية حقًا؟
- ما إن أُسدل الستار على آخر امتحان في الثانوية العامة، حتى امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع الرقص، والزغاريد، والاحتفالات الصاخبة أمام اللجان
- مشهد يتكرر كل عام، لكنه هذا العام حمل مفارقة مؤلمة
- فبعد موسم وصفه آلاف الطلاب وأولياء الأمور بأنه من أصعب مواسم الثانوية العامة، بدا وكأن الجميع اتفق ضمنيًا على أن يبتسم للكاميرات، ويرقص، ويعلن أن كل شيء على ما يرام
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
ما إن أُسدل الستار على آخر امتحان في الثانوية العامة، حتى امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع الرقص، والزغاريد، والاحتفالات الصاخبة أمام اللجان. مشهد يتكرر كل عام، لكنه هذا العام حمل مفارقة مؤلمة. فبعد موسم وصفه آلاف الطلاب وأولياء الأمور بأنه من أصعب مواسم الثانوية العامة، بدا وكأن الجميع اتفق ضمنيًا على أن يبتسم للكاميرات، ويرقص، ويعلن أن كل شيء على ما يرام.
لكن… هل كان الأمر كذلك فعلًا؟
في الحقيقة، لم يكن الرقص دليلًا على سهولة الامتحانات، بل كان في كثير من الأحيان رقصة نجاة. رقصة شخص خرج من معركة استنزفت أعصابه عامًا كاملًا، لا يعلم حتى الآن إن كان منتصرًا أم مهزومًا، لكنه فقط سعيد لأنه نجا من ساحة القتال.
المشكلة ليست في الفرح، فالطلاب من حقهم أن يفرحوا بانتهاء عام من الضغط النفسي والدروس والقلق. المشكلة أن هذا المشهد قد يُستخدم أحيانًا ليُرسل رسالة مضللة مفادها أن الامتحانات كانت طبيعية، وأن ما أثير حول صعوبتها مجرد مبالغة، بينما الواقع الذي عاشه الطلاب داخل اللجان كان مختلفًا تمامًا.
لقد تحولت الثانوية العامة بالنسبة لكثير من الأسر إلى رحلة استنزاف مادي ونفسي؛ دروس خصوصية، وكتب، ومراجعات، وسهر، وضغوط لا تنتهي، ثم جاءت امتحانات وصفها قطاع واسع من الطلاب بأنها تعجيزية في أجزاء كثيرة منها، لتضيف مزيدًا من الإحباط والخوف على مستقبلهم.
ومع ذلك، بمجرد خروجهم من اللجنة، بدأ العرض المعتاد: موسيقى، ورقص، وتصوير، ومنشورات تتحدث عن الفرحة، وكأن المجتمع كله اتفق على إغلاق الصفحة سريعًا، دون أن يسأل: لماذا وصل الطلاب إلى هذا القدر من الإرهاق؟ وهل حققت الامتحانات بالفعل الهدف منها، أم تحولت إلى اختبار للأعصاب أكثر منها اختبارًا للعلم؟
إن أخطر ما في الأمر هو الاعتياد. أن يصبح الألم طبيعيًا، وأن تتحول الشكوى إلى ضوضاء عابرة، ثم ينتهي كل شيء برقصة أمام اللجنة، وكأنها إعلان رسمي بأن الأزمة انتهت، بينما الحقيقة أن آثارها النفسية ستظل مع كثير من الطلاب حتى إعلان النتيجة.
لسنا ضد الفرح، فالفرحة حق لكل طالب أنهى عامًا شاقًا. لكننا ضد أن يصبح هذا الفرح ستارًا يخفي ما حدث، أو وسيلة للتظاهر بأن المنظومة بلا أخطاء. فالابتسامة لا تنفي المعاناة، والرقص لا يمحو صعوبة الامتحانات، والزغاريد لا تعني أن كل شيء كان على ما يرام.
قد تنتهي الامتحانات في ساعات، لكن الأسئلة الحقيقية يجب أن تبدأ بعدها: كيف نصنع امتحانًا عادلًا يقيس الفهم دون أن يحطم الأعصاب؟ وكيف نعيد للثانوية العامة مكانتها كمرحلة تعليمية، لا كرحلة عذاب جماعية؟
فالرقص قد ينتهي مع انطفاء الموسيقى… أما الحقيقة، فلا ينبغي أن تنتهي معه.







