مصر.. حضارة تُفهم بالعلم لا بالمبالغات
- في السنوات الأخيرة انتشرت حالة من الجدل حول هوية المصريين القدماء، وأصبح البعض يحاول اختزال حضارة مصر العظيمة في لون بشرة أو عِرق واحد، بينما الحقيقة التاريخية أكبر وأعمق بكثير من هذه النظرة الضيقة
- فمصر ليست مجرد دولة عابرة في التاريخ، بل واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية التي تشكلت عبر آلاف السنين فوق أرض وادي النيل، وسط تفاعل طبيعي بين شعوب وثقافات متعددة
- ولا خلاف على أن مصر دولة أفريقية، وكانت دائمًا جزءً
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في السنوات الأخيرة انتشرت حالة من الجدل حول هوية المصريين القدماء، وأصبح البعض يحاول اختزال حضارة مصر العظيمة في لون بشرة أو عِرق واحد، بينما الحقيقة التاريخية أكبر وأعمق بكثير من هذه النظرة الضيقة. فمصر ليست مجرد دولة عابرة في التاريخ، بل واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية التي تشكلت عبر آلاف السنين فوق أرض وادي النيل، وسط تفاعل طبيعي بين شعوب وثقافات متعددة.
ولا خلاف على أن مصر دولة أفريقية، وكانت دائمًا جزءًا مهمًا من تاريخ القارة السمراء، وهذا أمر يفتخر به كل مصري. لكن الاعتزاز بانتماء مصر لأفريقيا لا يعني السماح بتزييف التاريخ أو فرض روايات غير دقيقة تخدم أهدافًا سياسية أو أفكارًا عنصرية. فالحقيقة لا تُبنى على المشاعر، بل على العلم والآثار والحقائق التاريخية الموثقة.
ومَن يقرأ تاريخ مصر جيدًا سيدرك أن الشعب المصري منذ القدم كان متنوع الملامح وألوان البشرة، مثلما هو اليوم تمامًا. فهناك مصريون أصحاب بشرة سمراء في الصعيد وأسوان والنوبة، وهناك مصريون ببشرة حنطية أو فاتحة في الدلتا والسواحل ومدن الشمال، وهذا التنوع ليس شيئًا جديدًا أو غريبًا، بل هو جزء أصيل من الطبيعة المصرية الممتدة عبر العصور.
لذلك فإن القول إن بعض الفراعنة كانوا أصحاب بشرة سمراء ليس أمرًا مستغربًا، بل يعكس جزءًا من هذا التنوع الطبيعي داخل المجتمع المصري نفسه. وكذلك وجود فراعنة أو مصريين قدماء ببشرة حنطية أو فاتحة يظل أمرًا طبيعيًا أيضًا. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يحاول البعض استخدام لون البشرة كوسيلة لاحتكار الحضارة أو سرقة التاريخ أو نفي هوية شعب كامل.
فالحضارات لا تُنسب بالألوان، ولا تُحدد بملامح الوجه، وإنما تُنسب للأرض والشعب والاستمرارية التاريخية. وليس من حق أي شخص أن يدّعي أن الحضارة المصرية تخصه وحده لمجرد تشابه لون البشرة، تمامًا كما لا يحق لأحد أن ينكر الجذور الأفريقية لمصر. فمصر لها هويتها الخاصة، وشعبها الخاص، وتاريخها الذي صنعه المصريون عبر آلاف السنين.
ومن المؤسف أن يتحول النقاش التاريخي أحيانًا إلى صراع عنصري يحاول تقسيم البشر وفق اللون، بينما الحضارة المصرية نفسها كانت رمزًا للقوة والعلم والهوية الوطنية الجامعة. فالمصريون الحاليون، مهما اختلفت ألوانهم وملامحهم، هم الامتداد الطبيعي لهذا الشعب العظيم الذي بنى الأهرامات، وشيد المعابد، وكتب واحدة من أعظم صفحات التاريخ الإنساني.
وفي النهاية، يجب أن ندرك أن احترام تاريخ مصر لا يكون بالمبالغات أو سرقة الحضارات أو تسييس الهوية، بل بفهم التاريخ كما هو، اعتمادًا على العلم والبحث والآثار. فمصر أفريقية الانتماء، مصرية الهوية، عظيمة الحضارة، وستظل دائمًا ملكًا لشعبها الذي حافظ عليها عبر آلاف السنين.






