د. نادر الصيرفي المحامي: الهروب وعلم الزوج لا يجتمعان في الزنا الحكمي
- تنص الفقرة الأولى من حالات الزنا الحكمي في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين على: «هروب الزوجة أو مبيتها مع رجل غريب ليس من محارمها دون علم الزوج ودون مقتضٍ
- ويكشف هذا النص عن اضطراب واضح في التكييف القانوني، بل يتضمن في داخله ما يهدم اعتباره صورة من صور الزنا الحكمي
- أولاً: اشتراط عدم علم الزوج يهدم وصف الهروب
- اشترط النص لقيام حالة الزنا الحكمي أمرين متلازمين:
تنص الفقرة الأولى من حالات الزنا الحكمي في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين على: «هروب الزوجة أو مبيتها مع رجل غريب ليس من محارمها دون علم الزوج ودون مقتضٍ…».
ويكشف هذا النص عن اضطراب واضح في التكييف القانوني، بل يتضمن في داخله ما يهدم اعتباره صورة من صور الزنا الحكمي.
أولاً: اشتراط عدم علم الزوج يهدم وصف الهروب
اشترط النص لقيام حالة الزنا الحكمي أمرين متلازمين:
أن يقع الهروب أو المبيت دون علم الزوج،
وألا يوجد مقتضٍ أو سبب يبرر الواقعة.
وبمفهوم المخالفة، فإن:
علم الزوج،
أو وجود مبرر أو مقتضٍ،
يؤديان إلى انتفاء الحالة وسقوط دلالتها كصورة من صور الزنا الحكمي.
وهنا تظهر المفارقة القانونية؛ إذ إن علم الزوج ليس عنصرًا مكوِّنًا للزنا الحكمي، وإنما هو في حقيقته سبب لنفيه.
فالهروب بطبيعته القانونية والمنطقية يفترض:
الخفاء،
والانصراف دون علم،
أو الاختفاء رغم إرادة الزوج.
أما إذا كان الزوج يعلم بخروج الزوجة أو بمكان إقامتها، فإن وصف «الهروب» يسقط قانونًا ومنطقًا، وتتحول الواقعة إلى مجرد خروج معلوم أو إقامة بعلم الزوج، لا إلى فرار أو اختفاء.
ومن ثم، فإن عبارة: «هروب الزوجة بعلم الزوج» تمثل تناقضًا ذاتيًا، لأن وصفًا يقوم على التخفي والمباغتة لا يمكن أن يجتمع مع العلم المسبق أو الإدراك الكامل بالواقعة.
ثانيًا: وجود مقتضٍ أو مبرر ينفي القرينة
لم يكتف النص باشتراط عدم علم الزوج، بل أضاف شرطًا آخر هو: «ألا يوجد مقتضٍ أو سبب يبرر الواقعة».
وهذا الشرط يهدم التكييف التشريعي ذاته؛ لأن الواقعة التي تحتمل التبرير أو الضرورة لا تصلح أصلًا أن تكون قرينة على الزنا الحكمي.
فالزنا الحكمي ـ في صورته القانونية الصحيحة ـ يجب أن يقوم على فعل:
ينبئ بذاته عن وقوع الزنا،
ويكشف بطبيعته عن علاقة غير مشروعة،
دون حاجة إلى ظروف خارجية تغير وصفه.
أما الواقعة التي تختلف دلالتها بحسب:
وجود سبب،
أو عدمه،
أو بحسب ظروف كل حالة،
فإنها لا تصلح أن تكون قرينة تشريعية مستقرة على الزنا.
ومن ثم، فإن النص خلط بين:
الوقائع التي تصلح بذاتها قرينة على الزنا،
والوقائع التي يجوز دفعها أو تبريرها أو نفي دلالتها.
وهو خلط يؤدي إلى اضطراب التطبيق القضائي وإهدار الفارق الجوهري بين الزنا الحكمي وسائر صور النزاع الأسري.
ثالثًا: ماذا لو غادرت الزوجة بعلم الزوج ولكن رغم إرادته؟
يثير النص إشكالًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في حالة: غادرة الزوجة مسكن الزوجية بعلم الزوج، ولكن رغم إرادته أو دون استطاعته منعها.
فهنا تنتفي فكرة «الهروب الخفي»، كما لا يمكن القول بوجود رضا من الزوج أو إباحة منه للواقعة.
وفي هذه الحالة تتحول الواقعة إلى:
انفصال معلوم،
أو مغادرة ظاهرة،
أو نزاع زوجي قائم،
لا إلى قرينة قانونية على الزنا الحكمي.
وذلك لأن علم الزوج هنا لا يعني:
الرضا،
ولا الإباحة،
ولا الموافقة الضمنية،
لكنه في الوقت ذاته يهدم وصف «الهروب» الذي يفترضه النص.
فالهروب في مدلوله التقليدي يقوم على:
الاختفاء،
أو المغادرة المجهولة،
أو الانصراف دون علم الزوج.
أما إذا كان الزوج يعلم بالواقعة لكنه عاجز عن منعها، فإننا نكون أمام واقعة هجر أو خلاف زوجي أو سوء سلوك، لا أمام فعل ينبئ بذاته عن وقوع الزنا.
كما أن عدم قدرة الزوج على المنع قد يرجع إلى:
أسباب واقعية،
أو اجتماعية،
أو قانونية،
ولا يمكن تحميل هذا العجز دلالة على وقوع الزنا.
رابعًا: الزنا الحكمي لا يقوم على وقائع متغيرة الدلالة
تكشف هذه الصياغة عن اضطراب واضح في البناء التشريعي للنص؛ لأن الزنا الحكمي يجب أن يقوم على وقائع:
ثابتة الدلالة،
واضحة المعنى،
تنبئ بذاتها عن وقوع الزنا.
أما إذا كانت الواقعة:
تتغير دلالتها بحسب علم الزوج أو جهله،
أو بحسب وجود مبرر من عدمه،
أو بحسب قدرة الزوج على المنع،
فإنها تفقد طبيعتها كقرينة قانونية مستقرة، وتتحول إلى مجرد سلوك أو خلاف أسري يخضع للتقدير والجدل.
ومن ثم، فإن ربط الزنا الحكمي بعلم الزوج أو جهله يكشف خللًا واضحًا في التكييف التشريعي، لأن الواقعة لا تنبئ بذاتها عن وقوع الزنا، وإنما تستمد دلالتها من ظروف خارجية متغيرة، وهو ما يتعارض مع فكرة الزنا الحكمي في معناها القانوني الدقيق.
الخاتمة
إن النص محل الدراسة لا يعبر في حقيقته عن صورة متكاملة للزنا الحكمي، وإنما يخلط بين:
الهجر،
والخلافات الزوجية،
وسوء السلوك،
والوقائع التي قد تُفسَّر أو تُبرَّر أو تُنفى دلالتها.
ولهذا، فإن اعتبار «الهروب أو المبيت دون علم الزوج» قرينة تشريعية على الزنا الحكمي يثير إشكالات قانونية ومنطقية عديدة، ويؤدي إلى اضطراب التطبيق القضائي، خاصة في ظل غياب معيار واضح يميز بين الزنا الحكمي الحقيقي وبين صور النزاع الأسري التي لا ترقى إلى هذه المرتبة.







