حين يستنطق التاريخ صمته.. قراءة الدكتور محمود سعيد لكتاب الرقيق في شبه الجزيرة العربية لهند تركي السديري
بقلم: صموئيل نبيل أديب
لم أجد أجمل من القراءة النقدية التي قدمها الدكتور محمود سعيد لكتاب الرقيق في شبه الجزيرة العربية.. تحضير للتاريخ أم تاريخ للحاضر، للكاتبة السعودية هند تركي السديري، الصادر عن دار جداول للنشر والتوزيع. وهي قراءة لا تتوقف عند استعراض موضوع الكتاب أو تلخيص فصوله، وإنما تحاول النفاذ إلى أهميته التاريخية والإنسانية، وإلى الأسئلة الشائكة التي يفتحها أمام القارئ بشأن واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ الإنساني.
فالكتاب لا يتناول الرق باعتباره واقعة تاريخية انقضت بانتهاء تجارتها، بل يحاول استنطاق تاريخ ظل كثير من تفاصيله حبيس الصمت، واستعادة أصوات بشر تحولوا في فترات طويلة من التاريخ إلى مجرد أرقام أو ممتلكات، دون أن تحظى تجاربهم الإنسانية والاجتماعية بما تستحقه من توثيق.
ويلتقط الدكتور محمود سعيد منذ البداية جوهر التجربة التي خاضتها هند تركي السديري، وما تنطوي عليه من صعوبة في البحث ومتعة في اكتشاف الحقيقة، فيقول في مقاله:
اخترقت الكاتبة جدار الصمت بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وحاولت أن تستنطق الصمت ذاته. وهنا تكمن الأزمة والمتعة معًا، فعوالم الرقيق متعددة، وتمثل حكاية كل زمان ومكان، وما زالت آثارها الممتدة تحمل تجارب قاسية حتى في الذاكرة الإنسانية ذاتها.
لقد حاولت هند تركي السديري أن تقوم بعملية تحضير للتاريخ وتأريخ للحاضر، من خلال رصد تجارب حقيقية ما زالت آثارها حاضرة. ولم تكتفِ بما قرأته أو بما كُتب سابقًا، بل وضعت لنفسها إطارًا واضحًا قوامه التثبت من الحقيقة، والاقتراب من تفاصيل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من قسوة.
إن أصعب ما في قضية الرق أن يمتلك إنسان إنسانًا آخر، وكأنه متاع ورثه أو شيء يتحكم فيه كيفما يشاء. وقد تهبط مكانة الإنسان المستعبد إلى ما دون الجماد والحيوان. وهذه ليست مجرد قضية تاريخية، بل مأساة إنسانية حفرت آثارها في جبين الحضارة، وكشف الكتاب من خلالها جانبًا من مسؤولية المجتمعات التي مارست الرق أو دعمته أو تعاملت معه باعتباره أمرًا طبيعيًا.
وتوضح الكاتبة في تمهيد دراستها أن الكتاب محاولة لتوثيق ما لم يوثق، والكشف عن المسكوت عنه من تاريخ الرق العالمي، مع التركيز على شبه الجزيرة العربية. فتاريخ الرق في المملكة العربية السعودية لم يُكتب من الداخل بصورة منهجية كافية، وما صدر من دراسات وأبحاث ظل محدودًا، بينما اعتمد جانب كبير من الكتابات على مصادر خارجية ووثائق بريطانية، رغم ما قد يعتريها من تحيز أو نقص.
وتزداد أهمية هذه المحاولة مع وفاة معظم من عاشوا تجربة الرق، وضياع أو تمزيق كثير من وثائق العتق والتحرر. فالكتاب لا يكتفي بتسجيل تجارة الرقيق، وإنما ينقل قصصًا حقيقية لأشخاص مروا بهذه التجربة أو انحدروا من أسر عانت منها، ويحاول استعادة مكانتهم الاجتماعية وأدوارهم الاقتصادية. فقد أسهم الرقيق في العمل بالمزارع والمنازل والغوص والتجارة، وكانوا جزءًا من حركة الاقتصاد في المجتمعات التي عاشوا فيها.
والرق ظاهرة قديمة عرفتها معظم المجتمعات، لكنه لم يبلغ الصورة التي وصلت إليها تجارة الرقيق في القرون المتأخرة، خاصة منذ القرن الخامس عشر. ومن المفارقات أن بعض الأفارقة الذين شاركوا في هذه التجارة لم يكونوا يدركون قسوة المعاملة التي سيتعرض لها الإنسان الأفريقي في العالم الغربي، وما تبع ذلك من نظرة دونية ومحاولات لتبرير التفوق المزعوم للرجل الأبيض على الرجل الأسود.
وقد قسمت الكاتبة دراستها إلى مقدمة وثمانية فصول، تناولت فيها تاريخ الرق، والرق في الإسلام، وبدايات الرقيق الأفريقي في القرون المتأخرة، ودور الأفارقة في تجارة الرق، وتجارة الرقيق الشرقية، ومعاملات الرقيق في المناطق التي تشملها المملكة العربية السعودية حاليًا، ثم شهادات وقصصًا حقيقية، وصولًا إلى الدعوة البريطانية والأوروبية لتجريم تجارة الرقيق وأسبابها.
غير أن أهمية الكتاب لا تكمن في هذا التقسيم بقدر ما تكمن في الهدفين اللذين قامت عليهما الدراسة. أولهما إنصاف الرقيق واستعادة أصواتهم، فهم فاعل صامت في التاريخ، أسهموا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية دون أن تحظى أدوارهم بالاهتمام. وثانيهما خدمة البحث التاريخي وإعطاء مساحة لدراسة ممارسة الرق في شبه الجزيرة العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية، التي لم تنل نصيبًا كافيًا من الدراسات المتخصصة.
ويشير خليف الشمري في دراسته عن الرقيق في عهد إمارة آل رشيد إلى غياب البحث في طبيعة دور هذه الشريحة في المجتمع الحائلي، وما امتلكه أفرادها من مهارات وما قدموه من خدمات. فالتاريخ اعتاد الاهتمام بالجوانب العسكرية والسياسية والدينية، وبمن قادوا هذه المجالات، بينما ظل المهمشون يعملون بصمت، ولا يظهر ذكرهم غالبًا إلا حين يفيض بهم الأمر وينتفضون في ثورات تسجلها الكتب، ثم يعود التاريخ إلى تجاهلهم.
وتواجه الباحثة مشكلة أساسية تتمثل في ندرة المصادر المحلية، واعتماد معظم الدراسات على الوثائق البريطانية وكتابات الرحالة الأوروبيين. ولا يعني ذلك رفض هذه المصادر، وإنما ضرورة إخضاعها للفحص والنظر في دوافع أصحابها وخلفياتهم، بدلًا من التعامل معها باعتبارها روايات مكتملة ومحايدة. فالرحالة الأوروبيون كانوا أبناء عصرهم، وتأثرت كتاباتهم أحيانًا بالتصورات الاستشراقية عن المجتمع العربي والإسلامي.
ومن الأمثلة التي تستوقفنا كتابات الرحالة الإنجليزي جوزيف بيتس في القرن السابع عشر، إذ اكتفى بقدر محدود من الحديث عن مكة والمدينة المنورة، بينما توسع في وصف مصر والجزائر. ثم جاءت كتابات القرن التاسع عشر أكثر اهتمامًا بإنسان الجزيرة العربية، لكنها ظلت بحاجة إلى المقارنة والتحليل. كما أن كثيرًا من الدراسات ركزت على العبودية الجنسية والأغوات والجنود الرقيق، وأهملت الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مثل الزراعة ورعي الماشية، وهما من الأنشطة التي احتاجت إلى أعداد كبيرة من العمالة في الخليج وشبه الجزيرة العربية.
ولا يمكن فهم تاريخ الرقيق في المنطقة من خلال الغوص واللؤلؤ وحدهما، فهناك أعمال زراعية ورعوية واقتصادية أخرى لم تحظَ بالتوثيق الكافي. وقد أشار بنجامين رالي إلى عمل الرقيق في رعي الماشية في عُمان، وهو نشاط مشترك في مناطق عديدة من الخليج. ومن هنا تبدو الحاجة إلى دراسة متعددة الجوانب، لا تفصل التاريخ الاجتماعي عن الاقتصادي والسياسي والديني والجغرافي.
وتُحسب للكاتبة محاولتها الوصول إلى السجلات والمقابلات والشهادات الشفهية، وزياراتها إلى زنجبار وقطر وعمان وغيرها، والتواصل مع أشخاص من الداخل السعودي والإقليمي. وقد واجهت تحفظًا لدى بعض الأسر عن الحديث عن ماضي آبائها وأمهاتها، بينما رحب آخرون بمشاركة ما وصل إليهم من حكايات. وفي زنجبار، وتحديدًا في مدينة ستون تاون، رصدت مكان احتجاز الرقيق، حيث غرفتان كانتا تستخدمان لاحتجاز الرجال والنساء في ظروف قاسية، إلى جانب تجسيد للأفارقة المقيدين بالسلاسل.
وتطرح هذه الشهادات أسئلة لا تجيب عنها سجلات البيع والشراء وحدها: كيف جرى اختطاف هؤلاء البشر ونقلهم من أوطانهم؟ وما أعمارهم وأصولهم؟ وهل تعرضوا للعنف؟ وكيف كانت علاقتهم بالأسر التي عاشوا معها؟ وهل فُصلت الجارية عن أبنائها عند البيع؟ وما الحقوق المدنية التي حصل عليها الرقيق بعد التحرير؟ وهل وُجدت وثائق تثبت العتق والتعويضات التي حصلوا عليها؟
وقد واجهت الباحثة صعوبة في الحصول على وثائق العتق، رغم وجود بعضها لدى أفراد تحفظوا عن إتاحتها. وهذه خسارة تاريخية وإنسانية، خصوصًا أن الجيل الثاني أصبح في كثير من الحالات آخر من يستطيع نقل ما سمعه من الآباء والأمهات. وبوفاة هذا الجيل تضيع حكايات لا يمكن تعويضها بوثيقة رسمية وحدها.
ومن الشهادات التي يوردها الكتاب قصة عمر بن سعيد، الإمام المسلم الأفريقي الذي اختُطف من قريته وهو في العقد الثالث من عمره، ونُقل إلى شارلستون بأمريكا. ورغم وقوعه في العبودية تمسك بدينه، وعاش منعزلًا ولم يتزوج، وربما كان يخشى أن ينجب أبناء يواجهون المصير نفسه. وقد كتب قصته ومعاناته، لكنه توفي مستعبدًا قبل أن ينال حريته. وتظل شهادته من الحالات النادرة التي وصل فيها صوت الرقيق نفسه إلى التاريخ، بدلًا من أن يتحدث عنه مالكه أو من يتولى تسجيل شؤونه.
ويستحق الدور البريطاني في قضية الرق وقفة نقدية خاصة. فبريطانيا كانت من أكبر موردي الرقيق إلى الأمريكتين، ثم تحولت إلى قيادة الدعوة لتحريرهم، وقدمت نفسها بوصفها صاحبة دور إنساني في إنهاء هذه التجارة. لكن هذا الدور لا يمكن فصله عن مصالحها السياسية والاقتصادية والاستعمارية، وعن استخدامها نفوذها لتوسيع سيطرتها وحماية مصالحها في المنطقة. ولذلك لا يصح أن نكتفي بالرواية التي تمجد جهود التحرير دون دراسة الوجه الآخر لهذه السياسة.
وفي هذا السياق يورد الكتاب ما كتبه مارك بيري عن النظرة الدونية إلى الأفارقة والسود في المجتمعات العربية، ويقابل ذلك بقصة مرزوق الأسود، رقيق الملك فيصل وأخيه من الرضاعة. فعندما مُنع مرزوق من دخول غرفة الطعام خلال رحلة الملك فيصل إلى إنجلترا عام 1919، رفض الملك الجلوس إلى المائدة إلا بصحبته، وتم ذلك بالفعل. وهي واقعة تدعونا إلى الحذر من إطلاق الأحكام العامة على المجتمعات، ومن اختزال العلاقات الإنسانية في تصورات مسبقة.
أما إنهاء الرق فلم يكن نتيجة الدعوات السياسية وحدها، بل تداخلت فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وتشريعية. فقد تأثر اقتصاد التمور في شبه الجزيرة العربية بعد نجاح زراعة أصناف عراقية في جنوب كاليفورنيا خلال عشرينيات القرن الماضي، وتطوير الشركات الأمريكية منتجات التمر. ويذكر لوريمر أن إنتاج الأحساء بلغ نحو خمسة وسبعين ألف طن سنويًا، وأن إنتاج النخلة الواحدة قد يصل إلى أربعة عشر ألف رطل، وهو ما يعكس حجم النشاط الزراعي والعمالة المرتبطة به.
كما تراجعت تجارة اللؤلؤ الطبيعي بعد نجاح اليابان في إنتاج اللؤلؤ المستزرع. بدأت التجارب عام 1894، ووصل الإنتاج إلى مليون لؤلؤة عام 1902، ثم تطورت عمليات التسويق والإنتاج الآلي بين عامي 1908 و1911. وبدأ أثر ذلك يظهر في الأسواق منذ عام 1919، ثم زاد الكساد الكبير عام 1929 من تراجع تجارة اللؤلؤ، وأصاب المجتمعات الخليجية التي اعتمد اقتصادها على الغوص.
وساهم انتشار السيارات وإلغاء رسوم طريق الحج المعروفة بالكوشان في تقليل الاعتماد على بعض أعمال النقل التقليدية التي كان الرقيق يعملون فيها. كما كان لتخلي البرتغال عن تجارة الرقيق في موزمبيق في بدايات القرن العشرين أثر ضمن التحولات الدولية التي سبقت التحرير. وكانت البحرين أول دولة خليجية تصدر قانونًا لإلغاء الرق عام 1938، وفق ما يورده الكتاب.
وهكذا تداخلت العوامل الاقتصادية مع الوعي بظلم تجارة غير إنسانية، ومع جهود الحكومات الخليجية التي دفعت تعويضات لبعض الملاك الممانعين للتحرير، إلى جانب أفراد أعتقوا رقيقهم لوجه الله. ولم يكن إنهاء الرق حدثًا مفاجئًا أو نتيجة سبب واحد، بل مسارًا طويلًا اختلفت ظروفه من مجتمع إلى آخر.
ولا شيء مخجل في دراسة هذا التاريخ، فالرق لم يخترعه العرب أو المسلمون، لكنه يظل صفحة من تاريخ الإنسان ينبغي توثيقها دون إنكار أو تبرير. كما أن آثاره لم تختفِ بمجرد إلغاء التجارة، فما زال هناك من يبحث عن أهله وأصول والديه وأجداده، ومن يحاول استعادة حكايات أُخفيت أو ضاعت مع مرور الزمن. وهذا ما يجعل توثيق شهادات الجيل الثاني ضرورة لا تحتمل التأجيل.
نحن أمام كتاب لا تكفيه ثقافة واحدة، ولا يمكن الإحاطة بجميع جوانبه من خلال منظور تاريخي منفرد. إنه يحتاج إلى دراسات اجتماعية واقتصادية وأنثروبولوجية، وإلى مراجعة الوثائق والروايات ومقارنتها، حتى نقترب من حقيقة تجربة إنسانية تركت آثارها في المجتمعات والذاكرة. وتكمن قيمة هذا العمل في أنه يفتح بابًا ظل مغلقًا طويلًا، ويعيد إلى التاريخ أصواتًا كان ينبغي ألا تغيب عنه.







