حين تتحول “الخير” إلى ستار.. والأقربون أولى بالمعروف
- في مجتمع اعتاد أن يفتح قلبه قبل أن يفتح جيبه أمام المحتاج، تصبح الثقة رأس مال ثمينًا
- ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط أن تضيع أموال المتبرعين، وإنما أن تُسرق ثقتهم في فعل الخير نفسه
- لقد كشفت لنا السنوات الماضية أن مجرد رفع شعار «العمل الخيري» لا يعني بالضرورة أن كل من يرفعه جدير بالثقة
- فهناك كيانات قد تبدو في ظاهرها ضخمة ومشهورة، ثم تكشف التحقيقات أو الأحكام القضائية وجود مخالفات خطيرة أو عمليات احتي
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
في مجتمع اعتاد أن يفتح قلبه قبل أن يفتح جيبه أمام المحتاج، تصبح الثقة رأس مال ثمينًا. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط أن تضيع أموال المتبرعين، وإنما أن تُسرق ثقتهم في فعل الخير نفسه.
لقد كشفت لنا السنوات الماضية أن مجرد رفع شعار «العمل الخيري» لا يعني بالضرورة أن كل من يرفعه جدير بالثقة. فهناك كيانات قد تبدو في ظاهرها ضخمة ومشهورة، ثم تكشف التحقيقات أو الأحكام القضائية وجود مخالفات خطيرة أو عمليات احتيال واستغلال لأموال التبرعات.
وهنا يجب أن نتوقف أمام سؤال مهم: هل أصبحنا نبحث عن الفقير البعيد، بينما قد يكون المحتاج الحقيقي جالسًا بجوارنا؟
ديننا يحث على صلة الرحم والإحسان، وفي الحديث الشريف: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة».
فالأقربون أولى بالمعروف.
ابدأ بأهلك، ثم أقاربك، ثم أصدقائك، ثم جيرانك، وكل من تعرف أنه يحتاج إلى المساعدة.
تخيلوا لو أن كل إنسان راعى أحوال أسرته، وسأل عن أقاربه، وتفقد جيرانه، وساعد صديقًا يمر بضائقة، بدلًا من أن يرسل أمواله إلى جهة لا يعرف عنها إلا إعلانًا مؤثرًا على شاشة الهاتف.
ربما لن يكون في محيطنا فقير لا يجد من يقف بجانبه.
والميزة الأهم أنك عندما تساعد شخصًا تعرفه وتعرف ظروفه، تكون أكثر اطمئنانًا إلى أن صدقتك ذهبت فعلًا إلى المكان الذي تستحقه. أنت تعرف البيت، وتعرف الأسرة، وتعرف المرض، وتعرف الاحتياج، وترى بعينك أثر ما قدمته.
وهذا لا يعني أبدًا إلغاء دور المؤسسات الخيرية المحترمة؛ فهناك مؤسسات جادة تقوم بأعمال عظيمة وتصل إلى حالات لا يستطيع الفرد الوصول إليها. لكن الصدقة ليست سباقًا نحو أكبر مؤسسة أو أشهر إعلان.
لا تجعل صورة طفل مريض أو قصة مؤثرة وحدها هي التي تحدد أين تذهب أموالك.
اسأل، وتحقق، واعرف الجهة التي تتبرع لها.
فالمال الذي يخرجه الإنسان من قوته يجب أن يصل إلى مستحقه، لا إلى جيب شخص استغل ثقة الناس.
والأخطر من سرقة المال سرقة معنى الخير نفسه.
لأن المحتال حين يستغل تبرعات الناس لا يأخذ أموالًا فقط؛ إنه يأخذ حق فقير، ودواء مريض، وطعام أسرة، وفي النهاية يهدم ثقة الناس في كل يد تمتد لمساعدة الآخرين.
لذلك نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة للصدقة:
أهلك أولًا، أقاربك ثانيًا، أصدقاؤك وجيرانك ومن تعرف حاجتهم، ثم المؤسسات الموثوقة التي تستطيع أن تتحقق من نزاهتها.
أما المؤسسات التي تجمع الملايين باسم الفقراء، فمن حق المجتمع أن يسألها بكل وضوح:
أين ذهبت التبرعات؟ ومن المستفيد؟ ومن يراجع الحسابات؟ وهل تصل الأموال فعلًا إلى من جُمعت من أجلهم؟
العمل الخيري الحقيقي لا يخاف من الرقابة، بل يرحب بها.
ومن ثبت عليه الاحتيال أو استغلال أموال التبرعات، فيجب أن يُحاسب وفق القانون، لأن التلاعب بأموال الصدقات ليس مجرد مخالفة مالية؛ إنه اعتداء على ثقة الناس وعلى حق المحتاجين.
وفي النهاية، ربما نحتاج أن نتذكر قاعدة بسيطة جدًا:
لا تبحث دائمًا عن محتاج بعيد لتساعده، فقد يكون أقرب محتاج إليك يعيش خلف باب تعرفه، أو يجلس بجوارك، أو يحمل اسم عائلتك.
ولو تكفل كل إنسان بمن حوله، وأحسن اختيار الجهة التي يضع فيها صدقته، لأصبح الخير أقرب إلى الناس، ووصل المال إلى مستحقيه، وضاقت مساحة الفقر والاحتيال معًا.







