ثلاثون يونيو بين إنقاذ الدولة وتحديات المعيشة
- لا يختلف اثنان على أن ثورة 30 يونيو كانت نقطة تحول مهمة في تاريخ مصر الحديث، فقد خرج الملايين دفاعًا عن الدولة الوطنية ومؤسساتها، خشية الانزلاق إلى الفوضى أو الانقسام
- وكان الهدف الأساسي آنذاك الحفاظ على استقرار الوطن واستعادة قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية
- وعلى مدار السنوات التالية، شهدت مصر تنفيذ مشروعات قومية ضخمة في مجالات الطرق والكباري والطاقة والإسكان والمدن الجديدة، وهي مشروعات ير
بقلم الكاتبة الصحفية شيرين عصام
لا يختلف اثنان على أن ثورة 30 يونيو كانت نقطة تحول مهمة في تاريخ مصر الحديث، فقد خرج الملايين دفاعًا عن الدولة الوطنية ومؤسساتها، خشية الانزلاق إلى الفوضى أو الانقسام. وكان الهدف الأساسي آنذاك الحفاظ على استقرار الوطن واستعادة قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وعلى مدار السنوات التالية، شهدت مصر تنفيذ مشروعات قومية ضخمة في مجالات الطرق والكباري والطاقة والإسكان والمدن الجديدة، وهي مشروعات يرى مؤيدوها أنها وضعت أساسًا قويًا للتنمية المستقبلية. كما نجحت الدولة في تجاوز أزمات أمنية واقتصادية صعبة، وحافظت على تماسكها في منطقة تعصف بها الصراعات والحروب.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن المواطن المصري تحمل أعباءً اقتصادية كبيرة خلال هذه السنوات. فقد شهدت البلاد موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، خاصة بعد برامج الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف، ما أدى إلى زيادة تكلفة المعيشة بصورة أثرت على مختلف فئات المجتمع. وأصبح الدولار أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في أسعار السلع والخدمات، سواء المستوردة أو المحلية التي تعتمد على مكونات إنتاج مستوردة.
كما شهدت الدولة توسعًا في الاقتراض والتمويل لمواجهة احتياجات التنمية وتمويل المشروعات والبنية التحتية، وهي قضية ما زالت محل نقاش بين الاقتصاديين؛ فبينما يرى البعض أنها كانت ضرورة فرضتها الظروف، يرى آخرون أن زيادة الديون تفرض تحديات إضافية على الاقتصاد مستقبلاً. وبين هذا الرأي وذاك، يبقى المواطن مهتمًا بالنتيجة النهائية التي تنعكس على مستوى معيشته وقدرته الشرائية.
ومن القضايا التي أصبحت محل نقاش واسع أيضًا أزمة الإسكان وارتفاع أسعار الإيجارات، حيث شهدت بعض المناطق زيادات كبيرة نتيجة زيادة الطلب على الوحدات السكنية. كما أن استقبال مصر لأعداد كبيرة من الوافدين واللاجئين من دول تعاني الحروب والأزمات الإنسانية أضاف ضغوطًا على بعض الأسواق والخدمات في مناطق معينة، خاصة سوق الإيجارات.
ورغم أن الدور الإنساني الذي قامت به مصر محل تقدير واحترام، فإن كثيرًا من المواطنين طالبوا بإيجاد آليات تحقق التوازن بين الواجب الإنساني والحفاظ على استقرار الأسواق وحماية المواطن محدود الدخل من الارتفاعات غير المبررة.
ولا يمكن تجاهل ملف أصحاب المعاشات، الذين يمثلون شريحة كبيرة قدمت سنوات عمرها في خدمة الوطن. فرغم الزيادات التي تم إقرارها على المعاشات خلال السنوات الماضية، فإن موجات التضخم وارتفاع الأسعار التهمت جزءًا كبيرًا من تلك الزيادات، ما جعل الكثيرين يشعرون بصعوبة تلبية احتياجاتهم الأساسية.
كما ظل ملف أموال التأمينات والمعاشات لسنوات طويلة من القضايا التي أثارت اهتمام الرأي العام، نظرًا لأهميته بالنسبة لملايين الأسر المصرية التي تعتمد على هذه الدخول الثابتة.
كما شهدت السنوات الأخيرة تغييرات تشريعية واقتصادية متعددة، بعضها كان يهدف إلى مواكبة المتغيرات الاقتصادية وتحسين كفاءة الإدارة المالية للدولة، إلا أن المواطن البسيط كان ينظر دائمًا إلى النتائج المباشرة على حياته اليومية، من حيث الأسعار وفرص العمل ومستوى الخدمات وقدرته على توفير حياة كريمة لأسرته.
إن حب الوطن لا يعني تجاهل المشكلات، كما أن مناقشة التحديات لا تعني التقليل من حجم الإنجازات أو التشكيك في النوايا. فالدول القوية هي التي تملك الشجاعة للاعتراف بما تحقق من نجاحات، وفي الوقت نفسه تستمع إلى شكاوى مواطنيها وتسعى إلى معالجة السلبيات بروح من المسؤولية والشفافية.
وبعد أكثر من عقد على 30 يونيو، يبقى التحدي الأكبر هو أن يشعر المواطن بثمار الاستقرار والتنمية في حياته اليومية، وأن تنعكس المشروعات والإصلاحات الاقتصادية على قدرته الشرائية ومستوى معيشته. فنجاح الدول لا يُقاس فقط بحجم المشروعات أو الأرقام الرسمية، بل بمدى شعور المواطن بالأمان الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والقدرة على العيش الكريم. فالمواطن كان وسيظل هو الهدف الحقيقي لأي مشروع وطني، وهو المعيار الأهم للحكم على نجاح السياسات وقدرتها على بناء مستقبل أفضل للجميع.






