⚡ عاجل
مقالات

حين يُهان الصحفيون باسم المؤثرين.. من يحمي كرامة صاحبة القلم؟

بقلم: الصحفية شيرين عصام

ليس من المقبول أن تتحول المؤتمرات الإعلامية إلى ساحات للانتقاص من مهنة الصحافة، ولا أن يصبح الحديث عن المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي مبررًا للتقليل من شأن الصحفيين أو التشكيك في ذممهم المهنية.

السؤال الذي يفرض نفسه: ما الرسالة التي أرادت وزارة الدولة للإعلام إيصالها من تنظيم مؤتمر للمؤثرين، إذا كان بعض ما يُطرح فيه ينتهي إلى اتهام الصحفيين بالرشوة؟

الصحافة ليست مجرد منشور يحصد آلاف المشاهدات، ولا مهنة تُقاس بعدد المتابعين أو حجم التفاعل. الصحافة مسؤولية مهنية، وبحث وتحقق ومصادر ومساءلة، وتاريخ طويل من العمل والتضحيات.

ومن حق المؤثر أن يعبر عن رأيه، وأن يكون له حضور وتأثير، لكن ليس من حق أحد أن يتخذ من هذا الحضور منصة لإهانة مهنة كاملة أو إطلاق اتهامات عامة تمس شرف العاملين بها.

لكن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بما قيل، وإنما بالمكان الذي قيلت فيه هذه الاتهامات. فنحن نتحدث عن لقاء نظمته وزارة الدولة للإعلام، برئاسة الكاتب الصحفي ضياء رشوان، يوم الأول من نوفمبر، بحضور نحو 70 من صناع المحتوى والمؤثرين، واستمر أكثر من أربع ساعات. وخلاله أُثيرت اتهامات بشأن تقاضي بعض الصحفيين أموالًا مقابل نشر أخبار أو حذفها، وفقًا لما رواه الصحفي جرجس فكري عن وقائع الاجتماع.

وهنا أتوقف أمام سؤال مهم: أين كانت حدود الحوار المهني؟ وأين كان الحزم الواجب في التعامل مع اتهام يمس سمعة مهنة بأكملها؟

السيد وزير الدولة للإعلام..

نحن لا نعترض على التواصل مع المؤثرين، ولا نرفض التطور، ولا ننكر أن مواقع التواصل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، ولكننا نعترض على أن تتحول هذه اللقاءات إلى منصات تمنح الشهرة أولوية على الخبرة، أو تسمح بتمرير اتهامات عامة دون أدلة واضحة.

إذا كان هناك صحفي يتقاضى أموالًا بصورة غير قانونية مقابل نشر خبر أو حذفه، فليُذكر اسمه، ولتُقدم الأدلة، ولتُتخذ الإجراءات القانونية ضده. فالصحافة نفسها ترفض الفساد، ولا ينبغي أن تكون غطاءً لأي تجاوز مهني.

لكن أن نضع الصحفيين جميعًا في دائرة الشبهة بسبب تصرفات منسوبة إلى أفراد، فهذا أمر مرفوض، ويشكل إساءة غير مقبولة لمهنة لها تاريخها ومؤسساتها وقواعدها.

والأغرب أن الصحفي جرجس فكري، بحسب روايته، اعترض داخل الاجتماع على هذا التعميم، ثم أعلن عزمه التقدم بشكوى إلى نقابة الصحفيين واتخاذ إجراءات قانونية.

المؤثر ليس صحفيًا بالضرورة.. والصحفي ليس مجرد مؤثر!

هناك فارق كبير بين من يمتلك آلاف أو ملايين المتابعين، وبين من يمتلك أدوات العمل الصحفي. فعدد المشاهدات لا يمنح صاحبه تلقائيًا صفة الصحفي، والانتشار لا يعني امتلاك الخبرة، والقدرة على صناعة الترند ليست بديلًا عن التحقق والتدقيق والمساءلة.

نحن أمام مهنتين يمكن أن تتكاملا، لكن لا يجوز أن تُستخدم إحداهما للنيل من الأخرى.

والأمر لا يتعلق بالدفاع عن الصحفيين لمجرد أنهم زملاء المهنة، وإنما بالدفاع عن حق المجتمع في صحافة مهنية مستقلة، وعن حق كل إنسان في ألا يُتهم دون دليل.

رسالة إلى وزير الإعلام

يا سيادة الوزير، إن تنظيم لقاءات مع المؤثرين خطوة يمكن مناقشتها وتقييمها، لكن الأهم هو أن تكون هناك معايير واضحة لاختيار المدعوين، وأن يكون الحوار قائمًا على الاحترام المتبادل، وألا تتحول المنصات الرسمية إلى مساحات لتصفية الحسابات أو إطلاق الاتهامات.

كان من الضروري أن تكون هناك رسالة أكثر وضوحًا وحسمًا بأن كرامة الصحفيين ليست محل تفاوض، وأن أي اتهام بالفساد له طريق قانوني معروف، وليس مجرد تصريح أمام الحاضرين أو مقطع فيديو على مواقع التواصل.

وقد أوضحت الوزارة لاحقًا أن التصريحات لا تمثل تعميمًا على جموع الصحفيين، وأن اللقاء جاء ضمن سلسلة اجتماعات مع مختلف أطراف المنظومة الإعلامية. وهذا توضيح مهم، لكنه لا يلغي ضرورة معالجة ما حدث. مصراوي

وأخيرًا..

لسنا في معركة بين الصحفي والمؤثر، ولسنا ضد أن تظهر وجوه جديدة في المشهد الإعلامي، ولكننا ضد اختزال المهنة في عدد المتابعين، وضد أن تصبح الشهرة وسيلة لانتزاع الاحترام على حساب أصحاب الخبرة.

فالصحفي الذي قضى سنوات عمره بين التحقيقات والمصادر والبحث والتدقيق ليس أقل قيمة ممن صنع لنفسه شهرة عبر شاشة هاتف.

ومن حق المؤثر أن يُحترم، ومن حق الصحفي أن تُصان كرامته، ومن واجب وزير الإعلام أن يحافظ على التوازن بين الطرفين.

فإذا كانت الدولة تسعى إلى تطوير الإعلام، فلتبدأ باحترام من يحملون قلمه.. لأن الإعلام لا يُبنى بالمشاهدات وحدها، ولا تُصان المهنة بالصمت عن إهانتها.

شيرين عصام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى