الدراويش يبحثون عن الحقيقة وعناوين ثلاث لنص واحد
- من قلب دمشق المسكونة بالألم وأثار القمع السياسي لعقود متوالية كان الابداع على قدر الألم وعلى قدر المعاناة نفسها، لقد اكتنف الكثير من الغموض والضباب والرمزية الكثير من النصوص في قصائد الشعر ونصوص المسرح التي ربما شكل هذا الغموض حجاباً للرؤية وحلت محلها العتمة في بعض الأحيان رغم حرارة القضايا المطروحة ونبضها المرتفع الذي ضل يدق بداخلها، وفي النصف الثاني من القرن الماضي كتب الاستاذ مصطفى الحلاج مسرحيته (الدراويش يبحثون عن الحقيقة ) ثم دار
من قلب دمشق المسكونة بالألم وأثار القمع السياسي لعقود متوالية كان الابداع على قدر الألم وعلى قدر المعاناة نفسها، لقد اكتنف الكثير من الغموض والضباب والرمزية الكثير من النصوص في قصائد الشعر ونصوص المسرح التي ربما شكل هذا الغموض حجاباً للرؤية وحلت محلها العتمة في بعض الأحيان رغم حرارة القضايا المطروحة ونبضها المرتفع الذي ضل يدق بداخلها، وفي النصف الثاني من القرن الماضي كتب الاستاذ مصطفى الحلاج مسرحيته (الدراويش يبحثون عن الحقيقة ) ثم دار الزمن دورته مرة أخرى بعد كتابة هذا النص، اذ أنه ومند أكثر من سبعة وثلاثين سنة مضت انتقل النص شرقا الى دولة الكويت ليقوم الاستاذ والمخرج الكويتي فؤاد الشطي بمحاولة لإعادة صياغته وتقديمه ضمن دورة من دورات مهرجان قرطاج خلال أواخر اكتوبر سنة 1989م المنعقدة بتونس تحت عنوان (القضية خارج الملف).
وانتقل النص غرباً الى مدينة مصراتة في ليبيا في السنة نفسها بعد أن قَدِم المرحوم المخرج سعيد محمد القادم الي المدينة مند تسع سنوات من معهد جمال الدين الميلادي للتمثيل والموسيقى بطرابلس، وأقدم على اخراج نفس النص تحت عنوان (ثقوب في الليل) لفرقة المسرح الجماهيري كما كانت تسمى آن ذاك.. والمفارقة الأكبر أن هذه الفرقة قد رُشِحت للمشاركة باسم ليبيا في نفس دورة مهرجان قرطاج بنفس العمل .. وهى المفارقة التي جعلت الكاتب العربي الراحل سعد الله ونوس أثناء جلستي معه صحبة المرحوم عبدالباسط ابومزيريق في أحد مقاهي شارع الحبيب بورقيبة يعلنها أمامنا.. بأن مشاركة فرقتين عربيتين، واحدة من المشرق والثانية من المغرب في دورة واحدة من دورات هذا المهرجان بعرض موضوع ونص واحد كمثل هذا النص وموضوعه، هو دليل واضح على ازدياد حركة القمع في الوطن العربي بأكمله.
وقبل أن نتوغل في الحديث عن العمل وعروض قرطاج لابد لنا من العودة الى الحديث للتعريف بدور المخرج الراحل سعيد محمد وما قدمه للمسرح في مصراتة والذي قَدِم اليها بعد تخرجه من معهد جمال الدين الميلادي للتمثيل والموسيقى سنة 1980م والتحق للعمل موظفاً بقطاع الاعلام والثقافة في ذلك الوقت وكان أول ما قدم للمسرح عبر فرقة كان قد شكلها قطاع الاعلام والثقافة في ذلك الوقت بعمل مسرحي من تأليفه واخراجه عنوانه ( قضيتي تحت جبل من ثلج) تناول فيه بشكل واقعي رمزي في آن واحد قضية العرب الرئيسية، القضية الفلسطينية ومستوى الوهن الذي اصاب العرب في علاجها بشكل ابتعد فيه عن الخطاب المباشر.. نجح العرض الاول الذي اقيم بمسرح معهد الهندسة التطبيقية في تلك السنة وكان من ضمن الذين شاركوا في ذلك العمل الاستاد محمد اشويشيوة والاستاذ محمد الدنقلي واحدث العرض الأول تفاعلاً مباشراً مع جمهوره وهو ما أغرى مؤلف العمل ومخرجه وهو ذاته مدير الفرقة بإعادة عرضه على مسرح أكبر صالة ومساحة وهو مسرح ودار عرض الجلاء (سينما الدريجة) بمصراتة، لكن العرض الثاني فشل ولم يستمر الجمهور في التواصل معه وكان أول درس استفدت منه أنا شخصيا رغم عدم مشاركتي في العمل بصورة مباشرة وذلك بضرورة مراعاة دقة اختيار التوقيت والمكان المناسب للعرض وطبيعة الجمهور الحاضر.
بعد ذلك حاول سعيد محمد ان يعيد احياء فرقة المسرح الوطني بمصراتة التي توقف نشاطها مند سنة 1976م واستمرت محاولاته مند سنة 1981م الى سنة 1989م بعد أن اُقتُرِح عليه تسميتها بفرقة المسرح الجماهيري فاقدم على اختيار نص للكاتب العربي السوري مصطفى الحلاج عنوانه (الدراويش يبحثون عن الحقيقة) وأصر على تقديمه دون تعديل أو اعادة صياغة له عدا تغيير العنوان وذلك بأن النص قد غلب عليه الاطناب والسرد الادبي والديالوجات الطويلة رغم جودة الفكرة وموضوعها فيه، وكان من نتيجة ذلك أن نسبة التواصل مع جمهور مهرجان قرطاج وجمهور طرابلس ومصراتة كانت محدودة وكذلك ايضا فان نسبة تواصل جمهور الفرقة الكويتية في مهرجان قرطاج مع نفس النص الذي تغير عنوانه الى (القضية خارج الملف) كانت محدودة وقد أفاد الاستاذ المرحوم سعد الله ونوس أثناء جلستنا معه عندما علم بالعرض الذي ستقدمه الفرقة القادمة من مصراتة بما كنّا نعتقد جازمين بأنه يحتاج الى اعادة صياغة جديدة وأعلن بأنه قد قام بعملية اعادة صياغته بنفسه فعلاً ، لكن النص الذي أعاد صياغته ونّوس على أصل الفكرة لم ينشر حتى بعد وفاته.
ان ما يحسب لسعيد محمد هو أنه قد ساهم في اعادة حركة المسرح الوطني بمصراتة الى نبضها بعد أن توقف نبضها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي لتعود بعد ذلك في نهاية الثمانينيات من ذلك القرن وها هي حركة المسرح الوطني بمصراتة تزدهر مجدداً على يد الفنان أنور التير. فكل جيل يبز بالشطارة سالفه كما قال ونوس ذات مرة في أحد مسرحياته.
عبد الحميد محمد جبريل
مخرج وناقد – ليبيا







