حينَ تكون القوة أخلاقاً : تُصبح السُلْطًة وقاَرَاً
- ثمة أشياء لا تقاس بحجمها، وإنما بما تتركه وراءها من أثر، وقد تمر في حياة الإنسان مواقف تبدو في لحظتها عابرة، ثم تكتشف الذاكرة، بعد زمن أنها لم تكن عابرة على الإطلاق
- لأنها كشفت لك شيئاً عن معادن الإنسان وعن معنى المسؤولية, وعن ذلك الفارق الدقيق بين من يمتلك السلطة ومن يعرف كيف يحملها ويصون شرفها
- فالسلطة ليست امتحاناً لقدرة الإنسان على إصدار القرار, بقدر ما هي امتحان لقدرة الإنسان على ألا يُفٍسدُه القرار
بقلم / د . أمينة سالم
ثمة أشياء لا تقاس بحجمها، وإنما بما تتركه وراءها من أثر، وقد تمر في حياة الإنسان مواقف تبدو في لحظتها عابرة، ثم تكتشف الذاكرة، بعد زمن أنها لم تكن عابرة على الإطلاق؛ لأنها كشفت لك شيئاً عن معادن الإنسان وعن معنى المسؤولية, وعن ذلك الفارق الدقيق بين من يمتلك السلطة ومن يعرف كيف يحملها ويصون شرفها..
فالسلطة ليست امتحاناً لقدرة الإنسان على إصدار القرار, بقدر ما هي امتحان لقدرة الإنسان على ألا يُفٍسدُه القرار؛ والمنصب قد يمنح صاحبه قوة، لكنه لا يمنحه بالضرورة الهيبة إذ أن الهيبة الحقيقية لا تأتي من ارتفاع مكانة المقعد , وإنما من ارتفاع مكانة السلوك الإنساني ؛ ففي شتى مجالات الحياة , تبقى النماذج المضيئة أكثر حضوراً من الضجيج الذي يُحيط بها أشخاص يمرون في مواقع المسؤولية دون أن يجعلوا من مواقعهم جداراً بينهم وبين الناس، ودون أن يحتاجوا إلى استعراض القوة كي يثبتوا أنهم أقوياء ؛ يتركون وراءهم شيئاً لا يُكتب في الملفات , ولا يَظهر في البيانات : يتركون شعوراً بأن المسؤولية يُمكن أن تكون مٌحترمة، وأن الُسلْطة يُمكن أن تكون إنسانية، وأن البساطة لا تنتقص من الهيبة، بل قد تكون أحد أصفى منابعها ..
ولعل أجمل ما في القوة حين تتخلق بالأخلاق ؛ أنها لا تحتاج إلى أن تعلن عن نفسها؛ فالقوي حقاً لا يحتاج إلى القسوة ليبدو قوياً، والحازم لا يحتاج إلى التعالي كي يكون حازماً ، وصاحب السلطة لا يَحتاج إلى أن يشعر من أمامه بصغر شأنه كي يُدرك الجميع أنه صاحب قرار، فهناك قوة ترفع الصوت وقوة تخفضه ؛ قوة تصنع الخوف ؛ وقوة تصنع الثقة، قوة تضع مسافة بين الإنسان والإنسان، وقوة تجعل المسافة أقرب إلى جسر .
من هذه المسافة بالذات بدأت أتأمل بعض المواقف التي مررتُ بها منذ عام ونصف تقريباً والتي عشتها بنفسي في مدينة العريش شمال محافظة سيناء. حيث كانت رحلتي لاستعادة أرض بيعت لغير المصريين والتي وطأة قدماي فيها منذ عام 1999م ، مما جعلني أشطاط ألماً ممن باع وهو مني ، وممن اشترى ويعلمُ أنه دون علمي ، كانت رحلة استعادة الأرض أكثر من اجراءات تتعاقب عليها الأوراق؛ تجربة تضع الإنسان وجهاً لوجه أمام مؤسسات الدولة ؛ ومن قبلها تلك المجالس العرفية ، والشرعية بشيوخها الأجلاء , والذين لم يهابوا في الحق لومة لائم ، غير أن المكوث بالنهاية أمام مؤسسات الدولة تجعلك تكتشف بعيداُ عن الكلام النظري، كيف يمكن أن يكون التعامل مع المواطن جزءاً من معنىً الدولة نفسها..
وفي تلك الرحلة التقيت بمسؤولين من وزارة الداخلية المصرية وعلى رأسهم السيد اللواء سعيد شعير مدير إدارة مباحث مديرية أمن شمال سيناء ، والسيد المقدم شريف الصياد رئيس مكتب شؤون البدو بشمال سيناء . والحق أقول أن ما بقي وسيظل في ذاكرتي من هذه اللقاءات ليس أسماء المكاتب أو اللافتات, ولا تفاصيل الإجراءات المرهقة لسيادتهم أولاً قبل مني في انجاح هذه العملية دون جرح غائر لكلا طرفي الخصم , بقدر ما بقي في ذاكرتي هذا الإحساس الهادئ بأنك تقف أمام مسؤولون يعرفون مقدار قوة موقعهم , لذا لا يحتاجون إلى استعراضها بالضغط على طرف لإنصاف الآخر .. كان الاحترام هو السيد حاضراً قبل الكلام وفي الكلام حتى أخره بعبقرية جراح ماهر. وهو ما ليس سهلاَ ؛ أو كان أمراً هين أو صغير كما يبدو, فالإنسان حين يدخل مؤسسة رسمية يحمل معه في الغالب، شيئاً من القلق؛ ربما لأنه لا يعرف ما ينتظره , أو لأنه يخشى أن تتحول حاجته إلى مجرد رقم في طابور طويل.. لكن الطريقة التي يستقبله بها المسؤول تستطيع أن تغير معنى التجربة بأكملها..
فقد تنجز له المؤسسة ما يريد عندما يتطلب وقوفها بجانب الحق المسلوب, وهذا واجبها بالطبع ؛ لكن الفارق الإنساني يكمن في الكيفية : هل يشعر أنه حصل على حقه فقط, أم يشعر أيضاً أن كرامته ظلت محفوظة ككيان إنساني..؟ وهنا تتسع المسألة من مجرد سلوك فردي إلى معنى مؤسسي أعمق ؛ فالدولة القوية ليست تلك التي تجعل المواطن يخشى مؤسستها، وإنما تلك التي تجعله يثق في قدرتها على حماية حقه ، وبالطبع فإن القانون لا يفقد قوته حين يُمارس بإنسانيه ؛ بل ربما يستعيد جوهره الأول ..لأن القانون في نهاية الأمر لم يُخلقْ ليضع الإنسان في مواجهة الدولة, وإنما ليحفظ لكل واحد حقه وحدوده ومسؤوليته .
ثم جاءت مرحلة أخرى من رحلتي في الحفاظ على هذه المساحة من الأرض حين احتجت إلى استكمال أوراق الملكية بالرخصة , واستخراج وثيقة شرط تأكيد الجنسية المصرية, وكانت الرحلة مًختلفة في طبيعتها , لكنها أعادت إلىَ المعنىً السابق بالتأكيد من زاوية أخرى؛ عندما وصلت إلى الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية ، التقيت بالسيد اللواء إيهاب ناجي والذي يشغل منصب مدير مباحث الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية بوزارة الداخلية المصرية، ومن ثم وصولاً التقيت ًبالسيد اللواء عمرو الضبع مدير إدارة الجنسية والهجرة ؛ ومرة أخرى فلم يكن ما استوقفني هو أن الإجراءات قد سارت في مسارها فحسب، وإنما ذلك الوجه الإنساني الذي يُمكن أن يظهر داخل أكثر المؤسسات ارتباطا بالدقة والقانون . هناك اكتشفت أن الاحترام ليس ترفاً زائداً على العمل ، وإنما هو جزء من جودة العمل نفسه داخل مؤسستنا الشرطية ..
فقد يكون المسؤول ملتزماً بالقانون دقيقاً في إجراءاته, حازماً في قراره, ثم يظل قادراً على أن يقول للإنسان أمامه, دون أن ينطق بهذه العبارة ( أنا أتعامل مع حقك , لا مع ضعفك )..وهى في تقديري الشخصي واحدة من أرقى صور السُلْطة.. لأن الُسلْطة حين تنظر إلى ضعف الإنسان لتزيد عليه، تتحول إلى عبْ , أما حين ترى حاجته فتحفظ له كرامته، تتحول إلى مسؤولية؛ وبين هذين الأمرين مسافة أخلاقية لا يصنعها القانون وحده ، وإنما يصنعها الإنسان الذي يطبق القانون.. ولذلك فإن البساطة التي أتحدث عنها ليست مظهراً ولا مجاملة بل إنها حاله داخليه ؛ أن يعرف الإنسان حجم موقعة دون أن يجعل الموقع أكبر من إنسانيته؛ أن يجلس في مكان مرتفع دون أن ينظر للآخرين من أعلى . أن يمتلك القرار دون أن يصبح أسيراً لفكرة امتلاكه . فبعض أصحاب المناصب يزدادون صلابة كلما ازدادت مسؤولياتهم وبعضهم يزدادون إنسانية, ويأتي الفارق بين الاثنين ليس في مقدار السلطة وإنما في مقدار الوعي بها .. وهذا لا يعني أبداَ في أن تفتح الأبواب بلا ضوابط ولا أن تعطي الحقوق خارج القانون. ولا أن تتحول المؤسسة إلى مساحة من المجاملة؛ بل على العكس تماماً ؛ الاحترام الحقيقي أن يأخذ القانون مكانه كاملاً ؛ وأن يأخذ المواطن مكانه كاملاً أيضاً؛ هنا يصبح الحزم عدلاً , والدقة في العمل أمانه ؛ والسلطة مسؤولية .
من هذا المنطلق أستعيد بالذاكرة والتسجيل تلك المواقف لهذه النماذج المضيئة لرجال من رجالات وزارة الداخلية المصرية ؛ لا لكي أكتب عن أشخاص لموقف خاص ولا لكي أتحدث عن أشخاص بعينهم ؛ ولكن لأمنياتي لمصر الغالية ؛ بأن تظل هذه الصورة حاضرة في وعينا العام ؛ تلك الصورة التي لا تحتاج إلى أن يتخلى المسؤول عن هيبته كي يكون بسيطاً ولا أن يحتاج إلى التخلي عن حسمه وحزمه كي يكون رحيماً ..
إن الهيبة التي تُبنى على الخوف سرعان ما تنتهي بانتهاء السلطة؛ أما التي تبنى على الاحترام؛ يظل عبق أثرها احتفاء ووقارا, تقتدى صاحبها أينما جاء أو حل.. فالسلطة يمنحها القانون أما الوقار فيمنحه السلوك؛ وقد تفرض السلطة حضوراً ؛ أما الوقار فيصنع أثراً في النفوس فلا يُبلىَ مع الزمن ..
ولعل أجمل ما يتركه المسؤول بعد أن يغادر موقعه ليس عدد القرارات التي أصدرها, وإنما الأثر الذي أبقاه في نفوس من مروا أمامه ، أن يظلوا يتذكرون أن الُسلْطة يُمكن أن تكون عدلاً ، وأن الحزم يمكن أن يتجاوز الرحمة, وأن هيبة المنصب لا تكتمل إلا بكرامة الإنسان ؛ فالأسماء تتبدل والمكاتب تُغلق ؛ أما الأثر النبيل فيبقى شاهداً على صاحبه..
وحين تكون القوة أخلاقاً , فلا تحتاج السلطة إلى أن ترفع صوتها كي تُهاب؛ يكفي أن تحترم ؛ هنا تحديدا تتحول الهيبة من خوف عابر إلى وقار يبقىَ .
بقلم / الفنانة والكاتبة
د. أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي







