اثر التصرفات المتضاربة لشركات التطوير العقاري على المشتري حسن النية
ماذا لو أن شركة خصص لها ارض لمشروع اسكان قومي وابرمت عقد تطوير ومشاركة مع شركة أخرى بغرض التمويل والتزامها هي بأعمال البناء ووضعت شرط التوقيع على عقود البيع للوحدات لصالحها فقط مع منح الشركة الأخرى حصة ٥٠ في المئة مقابل هذا التمويل ونسبة أخرى ٢.٥ في المئة مقابل الإدارة للمشروع وتسليم الوحدات ، فما هو الموقف القانوني من سلامة هذا العقد وصحته والشروط التي تضمنها.
وماذا لو أن الشركة المخصص لها الأرض توقفت دون مبرر من الاستمرار في بناء المشروع والشركة الممولة كمطور امتنعت عن سداد ما التزمت به من أقساط التزمت بسدادها كل شهر . فما الموقف القانوني لمشتري الوحدات من اي من الشركتان رغم النص في العقد على عدم التصرف في البيع الا بموافقة توقيع الشركة الأخرى.
وماذا لو أن الشركة الدخيلة كممول قامت بحوالة ما لها من حقوق وما عليها من التزامات مع شركة أخرى (ثالثة) وقامت بإتمام المشروع والتصرف بالبيع والشراء في الوحدات ولم تتحرك اي من الشركتان السابقتان بانذارها أو منعها من التصرف طيلة خمس سنوات على التوالي ، الي أن قامت الشركة المخصص لها الأرض مؤخرا برفع دعوى فسخ عقد التطوير والمشاركة الذي كان بينها وبين الشركة الثانية (الممولة) . دون اختصام الشركة المحال إليها الحقوق والالتزامات. فما هو الموقف القانوني لمشتري الوحدات من الشركة الثالثة المحال إليها الحق مع العلم بحسن نيتهم وعدم علمهم بذلك لمجرد علمهم بظهور الشركة القائمة بأعمال البناء والظاهرة عليه.
يتضمن هذا النزاع المركب عدة أبعاد قانونية تحكمها القواعد العامة في القانون المدني المصري (وقوانين البيع والتطوير العقاري المشابهة في الدول العربية)، وتنقسم الإجابة إلى أربعة محاور رئيسية تشمل سلامة العقد، توقف التنفيذ، موقف المشتري قبل الحوالة، وموقف المشتري بعد دخول الشركة الثالثة.
أولاً: الموقف القانوني من سلامة وصحة عقد التطوير والمشاركة والشروط الواردة فيه من حيث الأصل، يُعد هذا العقد صحيحاً ونافذاً بين طرفيه إعمالاً لمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين”، طالما توافرت أركانه (الرضا، المحل، والسبب) ولم يخالف النظام العام.
أما الشروط الواردة فيه فموقفها كالتالي:
شرط قصر التوقيع على الشركة المخصص لها الأرض:
شرط صحيح قانوناً، ويُقصد به حماية جهة التخصيص (الدولة) التي غالباً ما تحظر التنازل عن الأرض للغير دون موافقتها.
توزيع الحصص (50% للتمويل و2.5% للإدارة): شرط صحيح، حيث يخضع تحديد المقابل المادي ونسب الأرباح لجرية الإرادة التعاقدية.
ملاحظة جوهرية: صحة هذا العقد تظل مشروطة بـ كراسة شروط هيئة المجتمعات العمرانية (أو الجهة المخصصة للأرض)؛ فإذا كان قرار التخصيص يحظر الشراكة أو يعتبر التطوير المشترك تنازلاً غير قانوني، فقد يواجه العقد خطر البطلان أو الفسخ من قبل الدولة، لكنه يظل منتجاً لآثاره في التعويض بين الطرفين.
ثانياً: الموقف القانوني عند توقف البناء وامتناع الممول عن السداد في هذه الحالة، أصبحنا أمام “إخلال تعاقدي متبادل”، حيث تمسك كل طرف بالدفع بعدم التنفيذ (المادة 161 من القانون المدني).
شركة الأرض توقفت عن البناء دون مبرر.الشركة الممولة امتنعت عن سداد الأقساط الشهرية رداً على توقف البناء.
النتيجة القانونية: يحق للشركة المتضررة طلب فسخ العقد مع التعويض، أو إجبار الطرف الآخر على التنفيذ.
ونظراً لخطأ الطرفين، فإن المحكمة غالباً ما تقضي بالفسخ وتصفية المراكز المالية مع تحديد المسؤولية عن الضرر بناءً على “من بدأ بالإخلال أولاً”.
ثالثاً: موقف مشتري الوحدات من الشركتين (قبل الحوالة)رغم النص على عدم البيع إلا بتوقيع الشركتين معاً، فإن المشتري غالباً ما يكون حسن النية وتعامله تم مع الشركة الظاهرة (التي يملك عقداً مخصصاً باسمها ولها حق التوقيع بموجب عقد الشراكة).
قانونية البيوع: البيع الصادر من شركة الأرض للمشترين يعد صحيحاً وناجذاً في مواجهتها ومواجهة الممول، لأن المشتري ليس طرفاً في العقد الداخلي بين الشركتين ولا يتحمل تداعيات مخالفته.
تأثير شرط موافقة الطرفين: هذا الشرط ينشئ التزاماً شخصياً بين الشركتين (حق التعويض للممول إذا تضررت حصته)، لكنه لا يبطل عقد المشتري حسن النية الذي اشترى من صاحب الأرض الظاهر.
رابعاً: الموقف القانوني لمشتري الوحدات من “الشركة الثالثة” (المُحال إليها)هذا هو الجزء الأهم، والموقف القانوني هنا يدعم تماماً مشتري الوحدات من الشركة الثالثة، ويحميهم بقوة القانون للأسباب التالية:
1. نفاذ الحوالة بالسكوت والقبول الضمني رغم أن حوالة الحق والالتزام تتطلب عادة موافقة الطرف الآخر (شركة الأرض)، إلا أن سكوت شركة الأرض لمدة 5 سنوات متتالية دون اعتراض أو توجيه إنذار، مع رؤيتها للشركة الثالثة تستكمل المشروع وتبيع الوحدات، يُعتبر قانوناً “قبولاً ضمنياً وإقراراً فعلياً بالحوالة”، ولا يجوز لها التمسك بعدم نفاذ الحوالة الآن.
2. نظرية “الوضع الظاهر” وحسن النيةالمشترون تعاملوا مع الشركة الثالثة باعتبارها “المالك أو المطور الظاهر” الذي يبني على أرض الواقع طيلة 5 سنوات.
القانون يحمي الوضع الظاهر وحسن نية المتعاقدين استقراراً للمعاملات؛ فالخطأ الجسيم يقع على شركة الأرض التي تراخت وصمتت طوال هذه المدة.
3. عدم اختصام الشركة الثالثة في دعوى الفسخ قيام شركة الأرض برفع دعوى فسخ ضد الشركة الثانية (الممولة) دون اختصام الشركة الثالثة يجعل الحكم الصادر في هذه الدعوى (حال صدوره) غير ساري أو نافذ في مواجهة الشركة الثالثة أو المشترين منها.
فالأحكام القضائية لها “نسبية الأثر” ولا تضر من لم يكن ممثلاً في الدعوى.
4. الأثر المترتب على الفسخ (إذا حدث)حتى لو قُضي بفسخ العقد الأصلي بين الشركة الأولى والثانية، فإن هذا الفسخ لا يضار منه الغير حسن النية (المشترون) الذين اكتسبوا حقوقاً عينية واستقر مركزهم القانوني على مدار سنوات، وينقلب حق شركة الأرض في هذه الحالة إلى “المطالبة بالتعويض المالي” من الشركة الثانية أو الثالثة دون المساس بالوحدات المباعة.
تحياتي دكتور محمد عويان المحامي بالنقض







